الرئيسية » تاريخ » الهويّة السوريّة: بين العروبة والاستعراب (دراسة تاريخية ) د. سوزدار میدي (د. أحمد الخليل( *
سوريا
سوريا

الهويّة السوريّة: بين العروبة والاستعراب (دراسة تاريخية ) د. سوزدار میدي (د. أحمد الخليل( *

الهويّة السوريّة: بين العروبة والاستعراب (دراسة تاريخية)
د. سوزدار میدي (د. أحمد الخليل) *

سوريا
سوريا

الحلقة (1): سوريا جغرافياً وديموغرافياً
ثمّة قضايا إشكالية كثيرة طوتها ثقافات الإنكار المتسلطة على الشرق الأوسط، ورمتها في ظلمات التاريخ، لكن أحداث الصراع على سوريا أزالت الغبار عن إحداها، وأعادتها إلى الضوء؛ تلك القضية هي: هل سوريا عربية أم مستعربة؟
وسنبحث في إشكالية (الهوية السورية) بواقعية وعقلانية ونزاهة، معتمدين على المصادر التاريخية الموثَّقة، وبعيداً عن التعصب القومي، فالباحث النبيل هو مَن يشعر أنه مسؤول عن البشرية كلها، بغضّ النظر عن الانتماءات القومية والدينية، ويتّخذ معرفةَ الحقيقة هدفاً، فمعرفة الحقيقة مصلحة بشرية عليا في حدّ ذاتها، وينبغي أن تُحترَم وتُلتزَم. والآن ماذا عن سوريا جغرافياً وديموغرافياً؟

سوريا جغرافيا:
يمتد عمر (سوريا) إلى حوالي خمسة آلاف عام، لكن ما هي الجغرافيا التي كان يدلّ عليها هذا الاسم (سوريا) قبل القرن العشرين؟ يقول وليام لانجر:
“كلمة سوريا استعملها هيرودوت [= مؤرخ إغريقي توفّي حوالي 425 ق. م] أوّلَ مرة
الهويّة السوريّة: بين العروبة والاستعراب (دراسة تاريخية)
د. سوزدار میدي (د. أحمد الخليل) *

الحلقة (1): سوريا جغرافياً وديموغرافياً
ثمّة قضايا إشكالية كثيرة طوتها ثقافات الإنكار المتسلطة على الشرق الأوسط، ورمتها في ظلمات التاريخ، لكن أحداث الصراع على سوريا أزالت الغبار عن إحداها، وأعادتها إلى الضوء؛ تلك القضية هي: هل سوريا عربية أم مستعربة؟
وسنبحث في إشكالية (الهوية السورية) بواقعية وعقلانية ونزاهة، معتمدين على المصادر التاريخية الموثَّقة، وبعيداً عن التعصب القومي، فالباحث النبيل هو مَن يشعر أنه مسؤول عن البشرية كلها، بغضّ النظر عن الانتماءات القومية والدينية، ويتّخذ معرفةَ الحقيقة هدفاً، فمعرفة الحقيقة مصلحة بشرية عليا في حدّ ذاتها، وينبغي أن تُحترَم وتُلتزَم. والآن ماذا عن سوريا جغرافياً وديموغرافياً؟

سوريا جغرافيا:
يمتد عمر (سوريا) إلى حوالي خمسة آلاف عام، لكن ما هي الجغرافيا التي كان
يدلّ عليها هذا الاسم (سوريا) قبل القرن العشرين؟ يقول وليام لانجر:
“كلمة سوريا
، ويُقصَد بها في أوسع معانيها جميعُ المنطقة بين الفرات والساحل الشرقي للبحر المتوسط جنوبي سلسلة جبال طوروس،… وتقتصر سوريا بمعناها الضيّق على الجزء الشمالي الشرقي فقط من هذه المنطقة، أيْ باستبعاد فلسطين وفينيقيا. ومنذ أن قسّم هادريان [= إمبراطور روماني بين 117 – 138 م] المقاطعةَ السُّرومانية إلى فلسطين وفينيقيا وسوريا، صارت كلمةٌ سوريا تُستعمَل عادةً بمعناها الضيّق”. [وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/78].
ويقول هارڤي بورتر: “سوريا، والمراد هنا سوريا الرومانيين، يحدّها شمالاً آسيا الصغرى، وشرقاً الفراتُ والبادية، وجنوباً جزءٌ من بلاد العرب يسمّى التِّيه [= صحراء سيناء] وغرباً بحرُ الروم [= البحر الأبيض المتوسط]. فطولُها ينوف على (400) ميل [= 640 كم] ، وعرضُها يختلف كثيراً ومعدّلُه (120) ميلاً[= 190 كم تقريباً] “. [هارڤي بورتر: موسوعة مختصر التاريخ القديم ص 91].
ويتضح ممّا سبق أن سوريا جغرافياً كانت تقع بين نهر الفرات شرقاً والبحر الأبيض المتوسط غرباً، وكانت في الأصل اسماً للمنطقة الشمالية من سوريا الحالية، لكن الرومان وسّعوا دلالتها جغرافياً، بعد أن احتلوها وجعلوها ولاية تابعة لهم. وظلت الجغرافيا السورية بهذه الدلالة في العهد العربي الإسلامي، وكان العرب يطلقون عليها اسم (الشأم= الشام)، يقول الجغرافيا ابن حَوْقَل (توفّي بعد 977 م):
“وأمّا الشأم فإنّ غربيَّها بحرُ الروم [= البحر المتوسط]، وشرقيَّها الباديةُ من أَيْلَة [= ميناء العَقَبة] إلى الفرات، ثمّ من الفرات الى حدّ الروم، وشماليَّها بلادُ الروم، وجنوبيَّها مصرُ وتِيه بني إسرائيل [= صحراء سيناء]” [ابن حوقل: صورة الأرض، 1/165]. أما المنطقة الواقعة شرقي نهرَي دجلة والفرات فكانت تسمّى (الجزيرة)، وتسمّى أحياناً (جزيرة آقُور) [ابن حوقل: صورة الأرض، 1/9. ياقوت الحموي: معجم البلدان، 2/134].

سوريا ديموغرافيا:
منذ أوائل الألف (4 ق.م)، كانت سوريا ساحة للتنافس بين فئتين من الشعوب:
1 – شعوب الصحارى: صحارى بلاد العرب، والبادية السورية، وقد شاع بين المؤرخين إطلاقُ اسم (الساميين) عليها على أساس ثقافي لغوي في الدرجة الأولى، وليس على أساس عرقي، ومستعيرين ذلك الاسم من قصة الطوفان في التوراة. وأبرزُ الشعوب التي أدرجها المؤرخون ضمن هذه الفئة هي: الكنعانيون (الفينيقيون)، والآموريون، والآشوريون، والآراميون (السريان)، والعرب، والعبران.
2 – شعوب الجبال: جبال زاغروس في شمالي ميزوپوتاميا، وجبال طوروس وهضبة الأناضول في كُردستان وآسيا الصغرى، وأطلق عليها معظم المؤرخين اسمَ (الشعوب الآرية)، وأبرز تلك الشعوب هي: الحوريون (الميتانيون)، والهِكْسوس، والميديون، والخَلْديون (أورارتو)، والحثّيون، والفُرس، والأرمن.
ومنذ أربعة آلاف عام، كان سكّان سوريا يتألّفون من الشعوب التالية: الفينيقيون (فرع من الكنعانيين) على الساحل السوري واللبناني، والأموريون في الوسط والجنوب، والحوريون (الميتّانيون أسلاف الكُرد) في الشمال، وكانت العاصمة واشوكاني تقع في منطقة الجزيرة. ويقول د. أحمد فخري بشأن سكان سوريا في الألف الثالث قبل الميلاد:
” كان سكان سوريا القدماء بصفة عامّة خليطاً من أجناس مختلفة، نظراً لموقعها الجغرافي، ولكن السكان الأصليين كانوا من جنس البحر الأبيض المتوسط…، ولكن امتزجت بهم منذ أقدم العصور عناصرُ من أجناس مختلفة؛ أهمُّها دون شك العنصرُ السامي؛ لأن جزيرة العرب كانت على حدود سوريا الجنوبية، ويتوق البدوي دائماً، عندما تمرَ به سنوات عِجاف، إلى الاستقرار في إحدى المناطق الخصبة الواقعة على حافة صحرائه” [د. أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص 64].
وقد انطلق الآراميون من البادية السورية حوالي منتصف القرن (13 ق.م)، فحلّوا محلّ الآموريين في الوسط والجنوب، وغزوا الشمال وفرضوا سلطتهم على المناطق الميتانية بعد أن كان الحثّيون والآشوريون قد قضوا على مملكة ميتاني، وأقام الآراميون هناك بعضَ الممالك، ثم غزا الآشوريون سوريا حوالي عام (1100 ق.م)، وأصبح سكان الجزيرة خليطاً من الميتانيين والآراميين والآشوريين. أما سكّان المدن السورية الكبرى والمتوسطة خاصة، فكان سكانها من بقايا اليونان والرومان، إضافة إلى سكانها الأصليين السابقين. [جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكّرة، ص 200. فيليب حتّي وآخران: تاريخ العرب ص 37. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/78].
ويقول آنّي شابري، ولورانت شابري: ” فالأمّة السورية يُنظَر إليها على هذا النحو كأنما هي خليط من الكنعانيين، والأكاديّين، والكِلدانيين، والآشوريين، والآراميين، والحثّيين، والميتانيين”. فالخاصية الـــسورية كانت مؤكَّدةً تماماً عندما حدث الفتح العربي في القرن السابع الميلادي” [ آنّي شابري، لورانت شابري: سياسة وأقليات في الشرق الأدنى، ص 214.]؛ وجدير بالذكر أن الباحثَين لم يصنّفا العرب ضمن الشعوب السورية؛ لأن العرب ما كانوا قد استقرّوا في سوريا بعدُ.
وقبل الإسلام، كان وجود العرب (البدو) في سوريا يقتصر على البادية وبعض المناطق الداخلية المتاخمة للبادية، وكانوا يقيمون في بعض المواسم مخيّمات لهم على ضواحي المدن للبيع والشراء، وأقوى حضور عربي في سوريا قبل الإسلام، كان للغساسنة في مناطق بُصرى بجنوبي سوريا. واختلفت الحال بعدئذ، إذ أصبحت سوريا جزءاً من دولة الخلافة، وتغلغل العرب في الداخل السوري، ومع ذلك ظلت نسبتهم قليلة قياساً إلى السكان الأصليين، وظلّت البادية السورية والمناطق المتاخمة لها موطنَهم الرئيسي، وما زال السكان هناك محتفظين بأنسابهم العربية القَبَلية، أمّا في المدن فالغالب على سكّانها هو النسبة إلى المهن والصناعات والعائلات.
وخلال غزوات السلاجقة في القرن (5 هـ = 11 م)، وغزوات العثمانيين في القرن (15 م) تمّ توطين بعض التركمان في بعض المناطق السورية (شمالاً ووسطاً وجنوباً) لأغراض عسكرية. وفي القرن التاسع عشر، وخلال الحروب الروسية العثمانية، استقدم العثمانيون بعض الشركس من القوقاز، وتمّ توطينهم في بعض المناطق الكُردية، والمناطق المتاخمة للبادية، ليكونوا عوناً للدولة على مواجهة انتفاضات الكُرد والبدو. وفي القرن بالعشرين توافد بعض الأرمن على سوريا، بعد أن شرّدتهم الدولة العثمانية من مواطنهم الخاضعة للعثمانيين.

الحلقة (2)
ما حقيقة اسم (سوريا) في المصادر التاريخية؟
تناولنا في الحلقة السابقة هويّةَ سوريا جغرافياً وديموغرافياً، واتضح بالأدلة أن سوريا الأصلية (سوريا قبل التعريب) كانت- جغرافياً وديموغرافياً- على صلة وثيقة بالحوريين/الميتانيين وبالميديين (من أبرز أسلاف الكرد).
والآن، ماذا جاء بشأن اسم (سوريا) في المصادر التاريخية؟ وهل لاسم (سوريا) علاقة بأسلاف الكُرد؟ دعونا نبحث عن ذلك معاً في عمق التاريخ.
ماذا عن اسم (سوريا) في المصادر؟
قبل هيمنة اليونان ثم الرومان على شرقي البحر الأبيض المتوسط، كان كل مَن يسيطر على تلك المنطقة نها ولاياأيطلق عليها اسماً بلغته، وعلى سبيل المثال كان المصريون يطلقون اسم (نَهارِين) “على المنطقة من حوض نهر العاصي إلى الفرات، وليس على المنطقة بين دجلة والفرات”، وهذا الاسم محرَّف من الاسم السامي (الكنعاني العبراني) “نَهاريم” أيْ (الأنهار) [ جورج رو: العراق القديم، ص 612، هامش 3]. وجاء في الوثائق المصرية أيضاً أنه كان يُطلَق على فلسطين وسوريا اسمُ “بلاد ريتينو”. [فراس السوّاح: الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم، ص 47].
وحينما غزا الملك الكلداني (البابلي) نَبُوخَذ نَصّر الثاني سوريا، حوالي عام (604 ق.م)، سمّاها (بلاد خاتّي) Mát Hatti، [هديب غزالة: الدولة البابلية الحديثة، ص 71]. وبما أن الحثيين كانوا يهيمنون في فترات مختلفة على منطقة شمالي سوريا الواقعة غربي نهر الفرات، فالأرجح أن لهذا الاسم علاقة بالحثيين Hittite، وحينما احتلّها الفرس عام (546 ق.م) سمّوها مَرْزَبانية عَبْر نهرا (= عبر نهر الفرات) [إبراهيم الفني: التوراة، ص 298]؛ وهذا يعني أن حدود سوريا شرقاً في القرن (6 ق.م) كان ينتهي عند شاطئ نهر الفرات، ولم تكن منطقة ميتاني الحورية بين دجلة والفرات (الجزيرة) جزءاً من دولة سوريا الحالية.
وذكر وليام لانجر أن اليونان اقتبسوا اسم (سوريا) من اسم (آسور = آشور)، وكان يُطلَق على مناطق شمالي سوريا المحتلة من قِبل الدولة الآشورية، ثم أطلقه اليونان على جميع سوريا من باب إطلاق اسم الجزء على الكل. [وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/78]، وجدير بالذكر أن منطقة (شمالي سوريا) التي احتلّها الآشوريون بدءاً من حوال منتصف القرن (13 ق.م)؛ لم تكن سوى مملكة ميتاني الحورية التي مر ذكرها قبل قليل [انظر جرنوت فيلهلم: الحوريون، ص 79. د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 82. توفيق].
وذكر د. سيّد القِمني أن هيرودوت (توفّي حوالي 425 ق. م، وهو من سكان آسيا الصغرى) كان يعبّر بكلمة السوريين عن البدو الآسيويين. والحقيقة أن اسم (البدو الآسيويين) كان يُطلَق قديماً على القبائل الآرية التي وصلت إلى غربي آسيا منذ حوالي (2000) سنة قبل الميلاد، واندمجت في شعوب زاغروس والأناضول وشرقي المتوسط، وكان أسلاف الكرد (كاشو، وحوري/ميتاني، وخَلْدي/أُورارتي، وميدي) من نتاج ذلك الاندماج. [د. سيّد القمني: النبي موسى وأيام تل العَمارنة، 2/361].
ويقول د. عبد الحميد زايد: ” واسم (سوريا) يوناني الأصل، وفي أوائل القرن (14 ق.م) ظهر في آداب أوغاريت بصيغة (شرَين) Shryn، وفي العبرية أُطلق على لبنان الشرقي اسم (سيريوس) Syrus، وعُرفت إحدى المناطق الواقعة شمالي الفرات باسم (Su – Ri)”. [د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 235].
وذكر د. عبد الحميد زايد أيضاً أن اسم سيروس Syrus (سوري) هو روماني، ومعناه الشخص الذي يتكلم السريانية (الآرامية)، وكانت ولاية سورية الرومانية تمتد من الفرات إلى مصر. [د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 235].
ويتفق المؤرخون الذي بحثوا في تاريخ سوريا على أن اسم (سوريا) ورد لأول مرة في كتابات المؤرخ الإغريقي هيرودوت، وأنه هو القائل: “كان الإغريق يسمّون الكبادوكيين بالسوريين، وقد عرفنا من أمرهم أنهم كانوا يخضعون للميديين قبل اتّساع إمبراطورية الفرس”. [هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 62]. وذكر جورج مرعي حدّاد أن الفرس كانوا يطلقون على أهل كبادوكيا اسم (السوريون البيض) [جورج مرعي حدّاد: فتح العرب للشام، ص 6].
وذكر إ. م دياكونوف أن الآشوريين أجبروا الميديين على الاستيطان في سوريا، وكانت سوريا تسمّى بسوريا الميدية (سورميد). [إ. م. دياكونوف: ميديا، ص 192.]. وأضاف أنه في عام (700 ق.م) أفرغ الآشوريون غربي البلاد التي سُمّيت ميديا فيما بعد من مواطنيها الأصليين، وأسكنوا فيها مواطنين من سكان سوريا وفلسطين وبابل، وكانت اللغة المشتركة في هذا القسم من الإمبراطورية الآشورية هي الآرامية، ” وفيما بعد سمّيت هذه المنطقة بسوريا – الميدية، وبمعنى أصحّ (سورميد) أي آشور الميدية” [إ. م. دياكونوف: ميديا، ص 215].
خلاصة ونتائج:
هذه أهم المعلومات التي وردت في المصادر بشأن اسم (سوريا)، وهي توصلنا إلى النتائج التالية:
1 – لا علاقة مطلقاً لاسم (سوريا) بالعرب والعروبة، ولا يوجد في معاجم اللغة العربية معنى لكلمة (سوريا) بهذه الصيغة الأصلية، ولا بالصيغة المعرَّبة (سورية).
2 – كان اسم (سوريا) يُطلَق على شمالي سوريا الحالية والمناطق المتاخمة لها في تركيا شمالاً، وصولاً إلى كبدوكيا (في وسط تركيا حالياً)، ولا يخفى أن معظم هذه المناطق كانت موطن الحوريين/الميتانيين (من أسلاف الكرد) والحثّيين.
3 – ورد اسم (سوريا) بهذه الصيغة عند هيرودوت وغيره من اليونان؛ لأن شمالي سوريا والمناطق المتاخمة لها شمالاً كانت معروفة بهذا الاسم قبل عصر هيرودوت وغيره من المؤرخين اليونان.
4 – عُرفت إحدى المناطق الواقعة شمالي الفرات باسم (Su – Ri).
5 – اسم (سوريا) مستمدّ من اسم الآراميين الذين عُرفوا باسم (سُريان).
6 – اسم سوريا مستمدّ من اسم الآشوريين الذين احتلوا سوريا بعض الوقت، باعتبار أن اسم (آشور) يأتي بصيغة (آسور) أيضاً.
7 – كانت سوريا تسمّى في القرن (8 ق.م) باسم (سورميد).
هذه هي النتائج التي يخرج بها الباحث من المصادر التاريخية، لكن أين هي الحقيقة بشأن اسم (سوريا)؟ هل هو اسم وثيق الصلة بالتراث الحوري الميتاني (أسلاف الكرد)؟ أم أنه وثيق الصلة بالتراث الآشوري والآرامي (السرياني)؟

الحلقة (3)
هل ثمّة علاقة لاسم (سوريا) بالسُّريان والآشوريين؟
في الحلقة السابقة توصّلنا بشأن اسم (سوريا) إلى ثلاثة محاور رئيسة:
– سوريا اسم لشمالي سوريا الحالية وصولاً إلى الأناضول.
– اسم (سوريا) مستمدّ من اسم الآشوريين (آشور= آسور).
– اسم سوريا مستمدّ من اسم السُّريان (الآراميين).
ودعونا نناقش كل محور على حِدة، بدءاً من آخرها.

السُّريان واسم (سوريا):
الحديث عن الآراميين متشعّب جداً، وليس هنا مجال التوسّع فيه، وإنما نبدأ بالأصل الآرامي الغامض، فيقول خَزْعَل الماجدي: ” لا أحد يستطيع، على وجه الدقّة، أن يؤكّد لنا أصل الآراميين، ومن أين جاؤوا؟ وذلك بسبب الغموض الشديد الذي يحيط بدايةَ ظهورهم في التاريخ” [خَزْعَل الماجدي: المعتقدات الآرامية، ص 14].
وذكر الدكتور أحمد ارحيّم هُبّو بشأن الآراميين، وهو مؤرخ ومختص في اللغة السريانية، أن الآشوريين سمّوا الآراميين (أَخْلامو/أَحْلامو) Akhlamu، وأنهم عُرفوا بهذا الاسم في النصوص المصرية، ثم حملوا بعدئذ اسم (آرامي) نسبةً إلى إحدى قبائلهم (أرامو)، ومالوا إلى حياة الاستقرار بدءاً من القرن (11 ق.م)، بعد زوال دولة الميتانيين ودولة الحثّيين [أحمد ارحَيِّم هُبُّو: تاريخ الشرق القديم (سوريا)، ص 106].
ويقول د. عبد الحميد زايد: ” يبدو أن بداية تاريخ الآراميين غامضة جداً، ففي أيّ عصر استطاع هؤلاء أن يدخلوا في أقطار الهلال الخصيب؟ ومن أيّ مكان وَفَدوا؟ لا نستطيع أن نضع القارئ الكريم أمام إجابة واضحة وصريحة عن هذين السؤالين؛ إذ لا نملك حتى ولا أيَّ أسطورة عن أصل هذه الجماعة” [د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 342]. وأضاف أن “الآراميين كانوا من صُلب الأحلامو”، ثم فرضوا اسمهم على العنصر الأحلامي، “ومُحي الاسمُ الأول تاركاً مكانه للاسم الثاني وهو (الآرامي)”. [د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 345].
وكغيره من الباحثين، ولحلّ إشكالية غموض أصل الآراميين، لجأ د. عبد الحميد زايد إلى أسلوب الفرضية، فقال: “يمكننا من جانب آخر أن نفترض أنهم اتخذوا صحراء سورية العربية سكناً لهم في الحقبة الأولى لتاريخهم”[عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 342].
إذاً فالآراميون شعب غامض الهويّة، ولم يكونوا في الأصل من سكان شمالي سوريا (Su – Ri)، ولم يكونوا سوريين وفقاً للدلالة الأصلية لاسم (سوريا)، وإنما خرجوا من البادية التي عُرفت بعد قرون بـ (البادية السورية)، واحتلّوا بلاد حُوري/ميتاني (أسلاف الكُرد)، بعد أن قضى الآشوريون والحثيون على مملكة ميتاني، وذكر المؤرخ البريطاني أرنولد تُوينْبي أنه بين عامي (1250 – 950 ق.م) استقر الآراميون في منطقة ميتّاني، بين نهري دجلة والفرات [أرنولد توينبي: تاريخ البشرية، 1/196]. والحقيقة أن غزو الآراميين لبلاد ميتاني الحورية، وإقامة بعض الممالك هناك، أمر متّفَق عليه بين المؤرخين [انظر: د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 335، 346. د. أحمد ارحَيِّم هُبُّو: تاريخ الشرق القديم (سوريا)، ص 106].
وبعد أن احتلّ الآراميون بلاد حوري (ميتاني) بين دجلة والفرات (الجزيرة حالياً)، غزوا شمالي سوريا حتى كيليكيا، وغزوا الداخلَ السوري غربي نهر الفرات، وصولاً إلى دمشق جنوباً. وقد سمّاهم اليونان ثم الرومان باسم (سُريان= سوريان)، نسبة إلى استيطانهم في (سوريا)، ثم شاع الاسم عليهم بعد أن اعتنقوا المسيحية، وحلّ اسم (سُرياني) محل اسم (آرامي) [انظر عزّ الدين المَناصرة: الهُويّات والتعدّديات اللغوية، ص 88]. وبتعبير آخر: إن اسم (سوريا) أقدم من استيطان الآراميين في بلاد ميتاني (Su – Ri)، ولم يُستمَدّ اسم (سوريا) من اسم (سُريان)، وإنما اسم (سُريان) مستمَدّ من اسم (سوريا) بعد أن استوطنوها وأقاموا فيها الممالك.
الآشوريون واسم (سوريا):
ورد اسم آشور في المصادر بصيغة (أسهور، وأسشور، وأسور، آثور، وآتور، وآزور). [هاري ساغز: عَظَمة آشور، ص 11. د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 434]. وآشور (أسور) هو اسم الإله القومي للآشوريين وكبير آلهتهم حتى نهاية إمبراطوريتهم، وكانوا ينطقون اسمه بسين مشدّدة Assur، وكان إلهاً محلّياً، أُطلِق اسمه على العاصمة الدينية مدينة (آشور) [د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 148].
وثمّة من يرجّح أن الآشوريين فرع من الأكّاديين أو الآموريين (البابليين) [د. محمد بَيُّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 324]، لكن لكثير من كبار المؤرخين رأي آخر، ومنهم هاري ساغز، فقد ذكر أن قبائل الآشوريين ما كانت تنحدر من أب واحد [هاري ساغز: عظمة آشور، ص 170]، وأضاف قائلاً: ” كان الآشوريون شعباً هجيناً، وهم يعرفون ذلك،… ومنذ أقدم الأزمنة كان لديهم تاريخ عنصري [= إثني] خليط، … وهذا مذكور مراراً في النقوش الملكية”. [هاري ساغز: عظمة آشور، ص 173].
ويقول الدكتور توفيق سليمان: “وتُبيّن لنا الرسوم والنقوش التي خلّفها الآشوريون لأشخاصهم أنهم كانوا يشكّلون خليطاً من البؤر البشرية المحلّية في بلاد ما بين النهرين، ومن البؤر البشرية التي تعود بأصولها إلى الأرض الأرمينية” [د. توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة، ص 161]، والمقصود بـ (الأرض الأرمينية) بلاد شعب (حوري) وورثته شعب (خَلْدي/أُورارتي)؛ أي أن الآشوريين مزيج من إثنيات ساميّة (قد تكون آمورية أو أكادية) وسوبارتية وحورية.
وجدير بالذكر أنه لم يكن يوجد في غرب آسيا شعب أرمني حينما ظهر الآشوريون كقوة إقليمية في القرن (18 ق.م)، وقد ذكر هيرودوت أن الأرمن شعب هندو أوربي (آري غربي)، غادروا البلقان في القرن (12 ق.م) إلى آسيا الصغرى عبر البوسفور والدَّردنيل، ثم توغّلوا شرقاً على مراحل، حتى وصلوا إلى أرارات (آغِري داغ) في أواخر القرن (7 ق.م)، ووصلوا إلى أرمينيا بُعيد زوال دولة أورارتو (خَلْدي) [مروان المدوَّر: الأرمن عبر التاريخ، ص 102]. ويضيف مروان المدوَّر: ” في الواقع لم تكن أرمينيا تُعرَف بهذا الاسم، … إذ لم يتشكّل اسم أرمينيا كما نعرفه اليوم إلا اعتباراً من أعوام (550 – 521 ق. م)” مروان المدوَّر، الأرمن عبر التاريخ، ص 82 ، هامش (2)].
ولنعد إلى تتبّع أصل الآشوريين، يقول جين بوترو وزملاؤه: “إن مصطلح سوبارتو Subartu هو المصطلح الذي ورد في المصادر البابلية للدلالة على منطقة بلاد آشور، وقد استُخدم للدلالة على كلّ من السكان الساميين (أي الآشوريين) وغير الساميين هناك”. [جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى، ص 188].
ويفيد د. عبد الحميد زايد أن اسم (سوبارتو) كان يُطلَق على المنطقة الممتدة من دجلة إلى جبال زاغروس، وأن السوبارتيين شعب جبلي غير ساميّ، كوّن مملكةً في الشمال، كانت تشتمل على المنطقة التي عُرفت بعدئذ باسم (بلاد آشور، ثم بدأ الآشوريون أنفسهم بتأسيس مملكة قوية هناك [د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 81]. ويقول باحث آخر: “نعتقد أن الحوريين هم الذين أعطوا الآشوريين تلك الملامحَ التي كانت تميّزهم عن الساميين في الجنوب” [إبراهيم الفني: التوراة، ص 101] والحقيقة أن القوم الذي عُرفوا باسم (سوبارتي) هم أنفسهم الذين عُرفوا بعدئذ باسم (حوري= هوري)، بل كان اسم (سوبارتي) يشمل أحياناً جميع أسلاف الكُرد الزاغروسيين (گوتي، لوللوبي، حوري)، وقد غزا الآشوريون مركز بلاد سوبارتو (مثلث دجلة والزاب الأعلى والزاب الأسفل) واستوطنوها، وأقاموا فيها مملكتهم، بعد أن اندمجوا مع شعب سوبارتي الأصلي، ولذلك كان د. جمال رشيد أحمد محقّاً حينما ذكر أن الآشوريين انحدروا عِرقياً من الحوريين أو الگوتيين أو اللولوبيين [د. جمال رشيد أحمد: ظهور الكُرد في التاريخ، 1/31. وانظر محمد بَيّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 344].
وبتعبير آخر: الآشوريون مزيج إثني ساميّ زاغروسي آري، غلبت عليهم الثقافة الأكّادية البابلية السامية، باعتبارها كانت الثقافة السائدة في بلاد النهرين، ولم يكن الإله آشور (آسور) غريباً عن إله الشمس الآري (سورياش= سوريا= سورا= آسور= آهورا)، إنه جسّد بعض خصائص هذا الإله الآري، ودُمجت في منظومته الميثولوجية بُنًى من ميثولوجيا الإله السومري (إنليل)، وميثولوجيا الإله البابلي (مَرْدُوخ = مَرْدُوك)[هاري ساغز: عظمة آشور، ص 298].
لذا، ثمة احتمال أن يكون اسم (سوريا) على صلة بالإله (آشور= آسّور)، لكن ليس ضمن الميثولوجيا السامية (الصحراوية)، وإنما ضمن ميثولوجيا إله الشمس الآري العريقة في تراث الآريين بما فيهم أسلاف الكُرد.

الحلقة (4)
الجذور الحوري- ميتانية للهويّة السورية
أسماء وذهنيات:
موضوع أسماء الأعلام (أشخاص، بلدان، مناطق، مدن، قرى، جبال، أنهار، إلخ) في الشرق الأوسط موضوع شديد الأهمّية؛ لأن (اسم العلَم) ليس مجرد اسم عادي كأنْ نقول: (شجرةٌ، كتابٌ، سيّارة)، وإنما اسم العلَم رمز يختزن في أعماقه دلالات جغرافيا وتاريخية وميثولوجية ولغوية وثقافية واجتماعية.

ميتاني

ولم يفلت اسم (سوريا) من عبث ذهنيات الغزو الاستيطاني، فقد مرّ أنه كان يُطلق على النصف الشمالي من (الجزيرة) وما يتاخمها شمالاً اسمُ (بلاد حوري/ميتاني)، ثم شملت مملكةُ ميتاني القسمَ الأكبر من شمالي سوريا حتى عمق الأناضول شمالاً والبحر المتوسط غرباً (انظر الشكل 1، 2)، ثم أطلق اليونان اسم (سوريا) على شمالي سوريا الحالية حتى عُمق الأناضول، ثم أطلقه الرومان على المنطقة الممتدة من كيليكيا شمالاً إلى حدود صحراء سيناء جنوباً، بعد أن ضمّوها إلى نفوذهم، وكان حدّها الشرقي نهر الفرات.
وبعد الغزو العربي الإسلامي دخل اسم (سوريا) في حيّز التعريب الشامل، ورسّخت اتفاقية سايكس- پيكو عام (1916) تعريبه، بإنتاج دولة (الجمهورية السورية) المستقلة عام (1946)، بعد أن ضمّت إليها منطقة (الجزيرة)، وسلّمت قيادتها إلى المستعربين، وفي ستينيات القرن العشرين ظهر مستعربون عنصريّون متطرّفون، فرّغوا دلالة (سوريا) من حقيقتها التاريخية، وجعلوها حكراً على العرب فقط، واخترعوا اسم (الجمهورية العربية السورية)، وكي يتطابق الاسم مع المسمّى، شنّوا حملة تعريب هائلة، شملت الجغرافيا والتاريخ واللغة والثقافة.
والآن دعونا نبحث عن حقيقة الهويّة السورية، تُرى ما هي؟
سوريا في عمق الميثولوجيا الآرية:
دلالة (سوريا) في الأصل ميثولوجية (دينية)، مستمدّة من اسم إله الشمس الآري الذي سمّاه الكاشيون (شورْياش= سورْياش) Suriash، والكاشيون من أسلاف الكُرد الزاغروس-آريين، حكموا بابل لا أقل من أربعة قرون، وعُرفت مملكتهم باسم (الدولة البابلية الثالثة)، وحمل بعض ملوكهم اسم هذا الإله، ومنهم (شاجا راكتي شورْياش، حكم بين 1245– 1233 ق.م)، وكانت اللاحقة (ش) من خصائص أسماء الأعلام في اللغة الكاشية [وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/90. جورج رو: العراق القديم، ص 333. د. أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص 205، هامش (1). د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 77].
وعُرف إله الشمس الآري (سورْياش) عند الهنود باسم (سورْيا) Surye و(آسورا)، إله العهد والقانون، وعُرف عند الحوريين/الميتانيين باسم (آسُورا)، وظهر أخيراً بصيغة (آهُورا)، ودمجه النبيُّ الميدي زَرْدَشْت في الإله (مَزْدا)، فأصبح اسمه (آهُورا مَزْدا) Ahura Mazda [وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/91. د. جمال رشيد أحمد: كركوك في العصور القديمة، ص 32. عِمارة نجيب: الإنسان في ظلّ الأديان، ص 238]. ويقول جيوفري بارّندر، وجون ب. نوسّ: ” فكلمة مَزْدا تعني الحكيم أو تمام النُّور، وكلمة أهورا هي نفسها أسورا في الڤيدية والتي تعني الرب أو السيّد، وكان اسماً هندو أوربياً” [فراس السَّوّاح: موسوعة تاريخ الأديان، الكتاب الخامس، ص 30].
وإذا ربطنا حقيقة أن (سوريا= آسورا) هو اسمُ إله الشمس الآري، بحقيقة أنه “عُرفتْ إحدى المناطق الواقعة شمالي الفرات باسم (Su – Ri)”. [د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 235]، وأن تلك المناطق كانت، منذ حوالي (1800 ق.م) على الأقل، موطناً للحوريين بما فيهم الطبقة الميتانية الحاكمة، وأن الحثّيين والآشوريين والآراميين غزوا تلك المناطق بعدئذ، ولم يكونوا من سكّانها الأصليين، نقول: إذا ربطنا هذه بتلك توصّلنا إلى نتيجة واضحة؛ وهي أن اسم (سوريا) مرتبط في الأصل بالحوريين/الميتانيين جغرافياً وثقافياً.
وثمة معلومة مهمّة أوردها رينيه لابات، مفادها أن الحوريين “ربطوا على صَهْوَة جيادهم بين آشور وأرمينيا [= أورارتو في الأصل] والأناضول
وسوريا العليا برباط إثني وثقافي” [رينيه لابات وآخرون: سلسلة الأساطير السورية، ص 8]، وهذه حقيقة أقرّها جميع المؤرخين الذين كتبوا عن الحوريين، وقدّمنا كثيراً من الأدلة على ذلك في كتابنا (تاريخ مملكة ميتاني الحورية).
ومعروف أن الميثولوجيا كانت تتمركز في صميم الثقافات القديمة، وكان لها المقام الأول في المجتمعات، ومعروف أيضاً أن عقيدة الطبقة الحاكمة كانت هي السائدة في المجتمعات، وبما أن حكّام مناطق شمالي الفرات قبل الغزو العربي الإسلامي في القرن (7 م) كانوا في الغالب آريين (حوري/ميتاني، حثّي، ميدي)، أو نصف آريين (آشوري)، فمن الطبيعي أن تكون العقائد الآرية، وفي مقدّمتها عقيدة إله الشمس الآري، هي السائدة هناك، ومن الطبيعي أيضاً أن تُعرَف تلك الشعوب والمناطق باسم عقيدة (سوريا)، فيقال لهم (سوريون) تماماً كما يقال: مسيحيون أو مسلمون أو بوذيون للشعوب التي تعتنق المسيحية أو الإسلام أو البوذية.
إله الشمس الآري والإله الآشوري:
وقد مرّ أن ثمّة من يرى أن اسم (سوريا) مستمدّ من اسم الآشوريين، باعتبار أنهم حكموا سوريا في عهد الإمبراطورية الآشورية الثانية (745– 612 ق.م)، وهذا لا ينفي الهويّة الآرية الشمسانية لاسم (سوريا)؛ لأن الإله (آشور= آسّور)- كما أسلفنا في الحلقة الثالثة- مزيج ميثولوجي آري سامي، وظلّت بعض خصائص إله الشمس الآري باقية في صورته، إنه صُوِّر “على هيئة إنسان له جناحان، وقد وَضع في يده قوساً وسهماً”[د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 148]، وهي صورة شبيهة جداً بصورة إله الشمس الآري (أسُورا= أهورامَزْدا) (انظر الشكل 3، 4).

إن الفرق هو أن الشخص الملتحي البارز من الدائرة المجنَّحة في النسخة الزردشتية يحمل في يده حلقة، كرمز إلى الدائرة (الكون)، وهو رمز عريق في الميثولوجيا الآرية، وما زال باقياً في الديانة الأيزدية، وفي رقصات الكُرد العلويين الدائرية. أما في النسخة الآشورية فيحمل في يده قوساً وسهماً؛ لأن الطبقة الآشورية الحاكمة- الساميّة الأصل غالباً- كانت ذات نزعة عسكرية غَزَوية توسّعية
وإضافة إلى التشابه بين رمزية إله الشمس الآري (آهورا= آسورا) والإله الآشوري (آشور= آسّور)، ثمّة جذور آرية شمسانية في صورة الصليب الآشوري المثمّن(انظر الشكل 5، 6)، إنه يشتمل على الدائرة الشمسية في المركز، وعلى صليبين متقاطعين. وجدير بالذكر أن الصليب يرمز في الثقافة الآرية إلى عناصر الكون الأربعة (الماء، الهواء، التراب، النار)، وفي الصليب المثمّن يرمز الصليب الآخر إلى الجهات الأربع (شرق، غرب، شمال، جنوب)، ومعظم أشكال الصليب- إن لم يكن جميعها- معدَّلة من رمزية الصليب الآرية (انظر الشكل 7، 8، 9).

رموز ميثولوجية آري- شمسانية:
كانت الشمس رمز الميثولوجيا الآرية الأكثر قداسة في السماء، وكانت النار رمزها الأكثر قداسة على الأرض، وما زالت رمزية الشمس باقية في العلَم الهندي وفي العلَم الكُردي، وفي علَم جمهورية إيران الإسلامية، لكن بعد أن دمج ملالي إيران ما هو آري (الشمس) بما هو سامي إسلامي (الله) (انظر الشكل 10، 11، 12)، وهذا عكس ما فعله ملوك وكهنة الآشوريين قبل حوالي (4000) عام.

وما زالت آثار الرمز الآري الشمساني (شمس وصليب متساوي الأطراف) باقية في جبل ليلون (جبل شَيرَوان Șêrewan) بمنطقة عِفْرِين الكُردية، وفي تل (عَينْ دارا) في سهل جُومَه (5 كم جنوبي مدينة عفرين). وكان في مدينة حِمْص (إيميزا) واحد من أكبر معابد الشمس في سوريا، والمعروف أن منطقة حمص في وسط سوريا الداخلية، كانت تُعَدّ- في معظم الأحيان- حدّاً فاصلاً بين مناطق نفوذ الشعوب الآرية (حوري/ميتاني، حثّي)، ومناطق النفوذ الآموري والمصري.

وجدير بالذكر أيضاً أن اللون الأحمر أو شبه الأحمر خاص برمزية الشمس أحياناً (انظر الشكل 13، 14)، وكان بعض الكُرد والفرس الذين ثاروا ضدّ الخلافة العبّاسية في القرن (3 هـ = 9 م)، وعادوا إلى عقيدتهم الآرية الشمسانية القديمة، يسمّون (الخُرَّمِيّة) و(المُحَمَّرة)، لأنهم اتخذوا اللون الأحمر رمزاً لهم، قال شمس الدين الذّهَبي: “وأما المُحَمَّرة، فيلبسون الثياب الحُمر” [الذهبي: تاريخ الإسلام،6/ 473].

وقال محمد كُرد علي نقلاً عن ابن تَيْمية: “وتارةً يُسمّون الخُرَّمِية، وتارةً يُسمَون المُحَمَّرة” [محمد كرد علي: خُطط الشام، 6/253]. وكان جنود الحيش الصفوي يعصبون رؤوسهم بعصابات حُمر، فسمّاهم العثمانون (قِزِلْباش= الرؤوس الحمر)، وما زال تقليد عصابة الرأس الحمراء متّبَعاً عند العلويين في الرقص الديني.

وكلمة أحمر بالكردية هي (سُور= Sur Sor)، والأرجح أنها مشتركة بين الشعوب الآرية الشرقية، وما زالت جذورها الدينية الشمسانية السورية (نسبة إلى الإله سورْيا= آسورا) باقية في اسم الفرع الكُردي (سُوران Soran) في جنوبي كُردستان، وفي أسماء بعض القرى الكُردية، منها: قرية سُوران Soran، وقرية سُورْكَى Sorkê في منطقة عفرين الكُردية (جبل الكُرد= çiyayê Kurmênc).
– – –
وجملة القول أنه لا علاقة لاسم (سوريا) التاريخي بالعرب والعروبة لا جغرافياً ولا ديموغرافياً ولا ثقافياً، إنه في حقيقته اسم ميثولوجي آري، يرجع إلى إله الشمس الآري (العقيدة الأساسية لأسلاف الكُرد وغيرهم من الشعوب الآرية)، ويرجع أيضاً إلى الجغرافيا الحورية الميتانية.
ولذا فالكُرد المعاصرون هم أكثر أحفاد (السوريين) أصالةً، لكن ليس بالمعنى السياسي العروبي السائد الآن، والمفروض بمشيئة (سايكس- پيكو)، وإنما بالمعنى الميثولوجي العائد إلى إله الشمس الآري (سورْياش= سورْيا= آسُورا)، وبالمعنى الجيوسياسي المرتبط ببلاد حوري- ميتاني (Su- Ri)، ويأتي الآشوريون والآراميون (السُريان) بعدهم في الانتماء إلى الهوية السورية.

الحلقة (5)
هل كان في التاريخ دولة اسمها (سوريا)؟
أوصلتنا الأدلة التاريخية الموثَّقة في الحلقات السابقة إلى ما يلي:
1 – جغرافياً: كانت سوريا تقع بين الفرات شرقاً والبحر الأبيض المتوسط غرباً، وكانت اسماً لشمالي سوريا الحالية، ثمّ وسّع الرومان دلالته الجغرافية جنوباً حتى فلسطين ضمناً، بعد أن احتلوها وجعلوها ولاية تابعة لهم.
2 – ديموغرافياً: سكان سوريا الأصلاء هم الفينيقيون على الساحل، والأموريون في الوسط والجنوب، والحوري- ميتّانيون (أسلاف الكُرد) في الشمال، ثم انضاف إليهم الآراميون والآشوريون وجاليات يونانية ورومانية.
3 – اسم (سوريا): مرتبط ميثولوجياً بإله الشمس الآري (سورْياش= سورْيا= آسُورا= آهورا)، ومرتبط جغرافياً ببلاد حوري- ميتاني (Su- Ri)، وبعدئذ انسحب الاسم نفسه على الآشوريين والآراميين (السُّريان)، ولا علاقة له بالعرب.
والآن ماذا عن سوريا جيوسياسياً؟ ومتى نشأت دولة اسمها (سوريا)؟
تاريخ سوريا الجيوسياسي:
منذ الألف (3 ق.م) على الأقل كانت سوريا تستمدّ أهميتها من عاملين:
1 – العامل الاقتصادي: سهول خصبة، وأمطار كافية للمزروعات البعلية، وأنهار مفيدة للريّ، وكانت سوريا ملتقى شبكة طريق البخور القادم من الجنوب عبر شبه الجزيرة العربية، وطريق الحرير القادم من الشرق عبر كُردستان وميزوپوتاميا.
2 – العامل الجيوسياسي: وقوع سوريا بين ممالك ذات طموحات غَزَوية توسّعية: البابليون والآشوريون في ميزوپوتاميا، والحثيون في الأناضول، والمصريون، إضافة إلى القبائل الصحراوية المتربّصة على تخوم سوريا الشرقية.
لذلك، لم تكن سوريا قطّ وحدةً سياسية مستقلة، وطوال التاريخ لم توجد دولة اسمها (سوريا)، ففي أواخر الألف (3 ق.م) كانت جزءاً من المملكة الأكّادية، ثم سيطر الأَموريون (العَموريون) الغربيون على نصفها الجنوبي، وأقاموا فيها ممالك متصارعة، منها مملكة ماري على الفرات، ثم توغّلوا شمالاً وأقاموا مملكة يَمْحَد وعاصمتها حلب، ثم سيطر عليها الأَموريون الشرقيون (البابليون) في أوائل الألف (2 ق.م)[ جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى، ص 200.عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 237].
ومنذ بدايات الألف (2 ق.م) كان شمال غربي سوريا موطناً للحوريين (من أسلاف الكُرد)، وكانت واشوكّاني (آشوكاني) Washukkanni أبرز عواصمهم تقع في أعالي نهر الخابور. وفي القرن (15 ق.م) أصبح معظم شمالي سوريا تابعاً للنفوذ الحوري- ميتاني بدءاً من منطقة الجزيرة ضمناً إلى البحر الأبيض المتوسط [وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم،1/62. جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى، ص 201. محمد بيّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 343 – 344].
في القرون التالية هيمن المصريون على نصفها الجنوبي، ونافسوا الميتانيين على نصفها الشمالي، ثم انحدر الحثيون من الأناضول، ونافسوا الميتانيين والمصريين، ثم هيمن الآراميون عليها في القرن (12 ق.م)، وأقاموا فيها ممالك منها مملكة (بيت عَدِيني) في حوض الفرات، ومملكة (بيت أجوشي) في منطقة حلب وعاصمتها أرفاد (تل رفعت)، ومملكة حماه، ومملكة (آرام دمشق)، وكانت هذه الممالك تستغل أحياناً ضعف الممالك المجاورة فتنعم بالاستقلال [خزعل الماجدي: المعتقدات الآرامية، ص 42].
ثم هيمن الآشوريون على سوريا في القرن (7 ق.م)، ثم تلاهم الكِلدان في أواخر القرن (7 ق.م) بعد القضاء مع الميديين على إمبراطورية آشور، ثم تلاهم الفرس حوالي (539 ق.م) بعد أن قضوا على مملكتي ميديا و بابل، ثم تلاهم اليونان بقيادة الإسكندر في القرن (4 ق.م)، ثم ورثها السلوقيون اليونان عام (301 ق.م)، ثم تلاهم الرومان عام (64 ق.م)، ثم تلاهم الروم البيزنطيون في القرن (4 م).
وفي عام (10 هـ= 633 م) انطلق العرب المسلمون من شبه الجزيرة العربية لغزو سوريا، وانتزعوها من إمبراطورية بيزنطا، وأصبحت سوريا جزءاً من دولة الخلافة في العهد الراشدي ثم في العهد الأُمَوي ثم في العهد العبّاسي، وفي عام (973 م) ضمّها الفاطميون إلى دولتهم التي كانت (القاهرة) عاصمتها، ثم تلاهم السلاجقة الترك في النصف الثاني من القرن (11 م)، ثم تلاهم الفرع السَّلْجوقي الزَّنْكي بدءاً من (1127 م)، ثم تلاهم الكُرد الأيوبيون بدءاً من (1174 م)، ثم تلاهم المماليك الترك بدءاً من (1250 م)، ثم تلاهم المماليك الشركس بدءاً من (1382 م)، ثم تلاهم العثمانيون الترك بدءاً من (1516 م).
وطوال هذه العهود، وعلى امتداد خمسة آلاف عام، لم توجد في شرقي المتوسط دولة موحَّدة ومستقلة اسمها (دولة سوريا) أو (مملكة سوريا) أو (سلطنة سوريا) أو (جمهورية سوريا)، وقد قال د. عبد الحميد زايد في هذا الشأن:
” لم تظهر سورية كدولة مستقلّة خلال تاريخها القديم، وكانت دائماً تشكّل جزءاً من دولة كبرى، وطبيعة البيئة السورية تميل إلى التنوع في الحكم أكثر من الوحدة، … كانت سورية لها وحدة طبيعية، ولكن ليس لها وحدة جنسية أو سياسية، وكانت كثيراً ما تتغير حدودها الشرقية”[عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 235].
وقال د. توفيق سليمان:
” شكّلت بلاد الشام خلال العصور القديمة جسراً؛ عبرت عليه شعوب وقبائل كثيرة في هجراتها وتنقلاتها مِن وإلى بلدان غرب آسيا الأخرى، وجنوب شبه الجزيرة العربية، ومصر، وجزر البحر المتوسط، وشمال إفريقيا، والعالم الإيجي. وكان لهذا الموقع الإستراتيجي آثاره السلبية على الوضع السياسي في بلاد الشام؛ إذ حال بين ممالكها ودويلاتها وبين جمع كلمتها والاندماج السياسي في كيان سياسي موحَّد”[توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة، ص 333].

سوريا والاختطاف العروبي:
كان العرب قبل الإسلام يطلقون على سوريا اسم (الشّام/الشَّأْم)، لأنها تقع في شمال بلاد العرب، ولعل لاسم (شام) علاقة بـ (الشؤم)، فالعرب كانوا
يتفاءلون بجهة اليمين، ويتشاءمون بجهة الشمال، قال ابن مَنظور: “ويُقالُ تَشاءَمَ الرّجُلُ إذا أَخذ نَحْوَ شِماله، والشَّأْمُ: بلادٌ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، سُمِّيَتْ بها لأنها عن مَشْأَمة القِبلة” [ابن منظور: لسان العرب، 12/315]. وبقي أثر ذلك في القرآن بخصوص وصف أهل الجنة:{وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ. فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ}[سورة الواقعة: الآيتان 27 – 28] . وفي وصف أهل الجحيم: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} [سورة الواقعة: الآيتان 41 – 42]، وسمّى العرب المسلمون الفِرَقَ العسكرية المقاتلة في سوريا باسم (جُند الشام) [البَلاذُري: فتوح البلدان، ص 142. الطبري: تاريخ الرسل والملوك، 3/442].
وحينما كانت سوريا جزءاً من دولة الخلافة، كان سكّانها مزيجاً من الكُرد (أحفاد الحوري- ميتانيين) والآراميين (السريان) والآشوريين، والفينيقيين، ومن جاليات يونانية ورومانية في المدن الكبرى، ثم استقر فيها التركمان والأرمن، وتعرضت لحملة تعريب ضخمة، بتأثير عوامل سياسية واقتصادية وسياسية متشعّبة، واستعرب كثير من سكانها، ومع ذلك بقي
الاسم الغالب عليها هو (الشام)، وظلّ هذا الاسم طوال (1300) سنة، وكان المحتلون العثمانيون يسمّونها (الشام).
وأوّل من أنتج (دولة سوريا) بحدودها الحالية في النصف الأول من القرن العشرين، هم الفرنسيون بناء على اتفاقية سايكس- پيكو بينهم وبين الإنكليز عام (1916 م)، إنهم احتلوا سوريا سنة (1920)، وأسّسوا فيها الاتحاد السوري على أساس فيدرالي سنة (1922)، ثم تحوّل الاتحاد إلى الدولة السورية سنة (1925)، ثم استقلّت سوريا سنة (1946) باسم (الجمهورية السورية)، ولم يُسمّها النخب الحاكمة باسم (الجمهورية العربية السورية) إدراكاً منهم بأن الوطن السوري ليس ملكاً للعرب فقط، وإنما هو ملك لجميع سكانها الأصليين.
إن إقحام لفظ (العربية) في اسم الدولة السورية حدث في عهد الاختطاف القومي العروبي لسوريا، وكان هذا الإقحام أحد أشكال اختطاف سوريا من شعبها، وتطويبها باسم المكوّن العربي والمستعرب فقط، تمهيداً لفرض مشروع التعريب على بقية القوميات السورية، وإجبارها على الانسلاخ من هوياتها التاريخية العريقة، وأصبح مفروضاً على الكُردي والسرياني والآشوري والأرمني والتركماني أن يحمل بطاقة هويّة مكتوب فيها (عربي سوري)، أي أنه (عربي) رغم أنفه، في حين كان يُكتب في بطاقة الهوية- قبل عهد الاختطاف العروبي- كلمة (سوري) فقط.
هذه هي حقيقة سوريا جيوسياسياً، وكلُّ مَن يطلق على سوريا اسم (الجمهورية العربية السورية) يرمي حقائق التاريخ وراء ظهره، وليس هذا فحسب، بل إن الإصرار على فرض الهوية العروبية على السوريين يُعَدّ جريمة اختلاس من المنظور الحقوقي، ومن واجب جميع الشعوب السورية- بما فيهم العرب والمستعربون- أن يناضلوا معاً ضدّ الاستمرار في ارتكاب هذه الجريمة.

الحلقة (6)
الكُرد وضرورة تغيير قواعد اللعبة في سوريا
سلطة الخرافة والقوة:
منذ خمسة آلاف عام، و(سلطة الخرافة والقوة)- لا (سلطة العقل والحق)- تصنع الجزء الأكبر من تاريخ الشرق الأوسط، وما أكثر ما ضاعت صرخات المقهورين ودموعهم بين ضجيج كهنة الخرافة وصليل سيوف الأقوياء وهدير مدافعهم! وكنا- نحن الكُرد- على الدوام وما زلنا في عداد أولئك المقهورين.
تلك هي الحقيقة المُرّة، وأعلم جيداً أنه- مع سلطة الخرافة والقوة- لا نفعَ في العودة إلى أعماق التاريخ، ووضْعِ الحقائق تحت الشمس ثانية، وتصحيحِ ما حُرِّف وزُوِّر، والبرهانِ على أن ما شيطنته (سلطة الخرافة والقوة) هو الأنقى والأنبل. إن أصحاب الذهنيات الاحتلالية يستهزئون في دخائلهم بحقائق التاريخ والجغرافيا، ويؤمنون فقط بفعّالية سلاحَيهم السحريين:
– الخرافة: فبها يُضفون القداسة على ما قرروا غزوَه واحتلالَه وسلبَه.
– والقوة: فبها يغتصبون الأوطان ويستعمرون الشعوب، ويفرضون الأمر الواقع.
هذه الحقيقة المُرّة هي المدخل الصائب لاستكشاف الهويّة السورية، ولتمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود في العلاقة بين (المسألة الكُردية) و(الدولة السورية)، وقد دلّلنا في حلقات سابقة على أنه لم توجد في التاريخ القديم دولة موحَّدة على هذه الجغرافيا باسم (سوريا)، وأن اسم (سوريا) كان خاصاً بالجزء الشمالي من هذه الجغرافيا، وكان معظم ذلك الجزء موطناً للحوريين (من أسلاف الكُرد)، وشاركهم فيها الحثيون، ثم انضاف إليهم الآشوريون والآراميون والعرب كغزاة ثم كمواطنين.
ومرّ في حلقة سابقة أيضاً أن دولة (الجمهورية السورية) هي من إنتاج اتفاقية سايكس- پيكو، وفقَ المصالح الاستعمارية لبريطانيا وفرنسا، وليس وفق مصالح الشعوب، وأن الدولة السورية وُضعت في قبضة المستعرِبين، ثم هيمن عليها جيل شوفيني فاشي في ستينيات القرن العشرين، وباشروا بشكل محموم استكمالَ تعريب كل شيء في سوريا، واستكمال اختطافها من بقية القوميات.
إن أصحاب الذهنيات الاحتلالية- وخاصة المستعرِبين الدخلاء على العروبة أصلاً- اختطفوا السلطة والثقافة والثروة، وصنعوا أمراً واقعاً على هذه الجغرافيا، وسنّوا دستور الدولة، ومارسوا السلطة والثقافة وفق هواهم، وتقاسموا الثروة فيما بينهم، وزحزحوا الكُرد- أحفاد الحوريين وأصحاب الجزء الشمالي من هذه الجغرافيا- إلى هامش الهامش، وصُنّفوهم وطنياً على أنهم دخلاء، وسياسياً على أنهم عملاء، ووظيفياً على أن لهم المراتب الدنيا، إضافة إلى حشود الكُرد الذين اضطروا- للاحتفاظ بالحياة- إلى العمل بأجور زهيدة في المعامل والمقاهي والمطاعم.
أما الكُرد القلة الذين أُنيطت بهم بعض الوزارات والإدارات من المرتبة الثالثة، أو حتى ذاك الذي عُيّن رئيساً للوزارة في غفلة من الدهر، وكان يُدعى (الأيوبي) فيما أذكر، وحتى الشيخ أحمد كُفتارو الذي كان مفتي الجمهورية، فهؤلاء كان دورهم هو التغطيةَ على مشاريع القهر والصهر التي سُلّطت على الكُرد في عهود الأنظمة العروبية الفاشية، وتبييضَ وجه الأنظمة الحاكمة، وإظهارَها على أنه أنظمة ديمقراطية تقدمية تعمل وفق قاعدة: ” لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”.
تغيير قواعد اللعبة:
لكن بعد اندلاع الصراع على الدولة السورية المخترَعة، لم يعد بالإمكان إخفاء المسألة الكُردية، وأصبح الوجود الكُردي في الواجهة بعد أن كان مغيَّباً، وكان من المتوقَّع- تحت تأثير شعارات الحرية والديمقراطية- أن يُعاد النظر في المسألة الكُردية بشكل جوهري، لكن مع ذلك ظل كثيرون من المستعرِبين والعرب السوريين مصرّين على وضع الكُرد في سوريا أمام خيارين: إما قبول (المواطنة) السورية بالشروط العروبية الظالمة، وإما الرحيل.
ويبدو أن حوارات ساخنة باتت تدور بين الكُرد والمستعربين في سوريا، سواء خلال اللقاءات السياسية، أو عبر شبكة الإنترنت، بشأن الوجود الكُردي في سوريا، ووصلتني منذ بضعة أشهر رسالة، يحثّني فيها صاحبها بشأن الكتابة عن الوجود الكُردي في سوريا، ولمست في رسالته أن بعض المستعرِبين طالبوه بالدليل على أن الكُرد في سوريا أصلاء لا دخلاء. والحقيقة أن هذه المطالبة جزء من (اللعبة) الماكرة التي تُمارس ضد الكُرد منذ 25 قرناً، وتزجّ بهم على الدوام في (قفص الاتهام):
– الكُرد من سلالة الجن والشياطين، وعليهم أن يُثبتوا أنهم من سلالة آدم.
– الكُرد شراذم مجهولة الأصل والهوية، وعليهم أن يُثبتوا أنهم شعب وأمّة.
– الكُرد حَرَقة الأنبياء، وعليهم أن يُثبتوا أنهم أبرياء ومؤمنون أتقياء.
– الكُرد لصوص وقطّاع طرق، وعليهم أن يُثبتوا أنهم أناس طيبون.
– الكُرد مزعجون ومشاغبون، وعليهم أن يُثبتوا أنهم مستسلمون.
– الكُرد انفصاليون، وعليهم أن يُثبتوا أنهم مواطنون مخلصون.
– الكُرد مهاجرون دخلاء، وعليهم أن يُثبتوا أنهم أصلاء.
تلك بعض حلقات (اللعبة)، أما التفاصيل فكثيرة، وهي تتفرّع وتتجدّد بحسب الظروف ونوايا القائمين على إدارة (اللعبة)، وعلى سبيل المثال: يتهم الغزاة الجهاديون الآن الكُرد في غرب كردستان بأنهم كفرة، وعلى الكُرد هناك أن يُثبتوا أنهم مسلمون سُنّة إخوانيون وسلفيون، مخلصون للشيخ يوسف القَرَضاوي وللشيخ أسامة بن لادِن، وإلا فدماؤهم ونساؤهم وذرّياتهم وأموالهم وبلادهم غنيمة للجهاديين.
وبطبيعة الحال لسنا قادرين على منع أصحاب الذهنيات الاحتلالية من ممارسة لعبتهم؛ وكيف نمنعهم وهم لا يجدون معنى للحياة إلا بها وفيها؟ لكن السؤال هو: هل من الضروري أن نخضع إلى الأبد لهذه (اللعبة) بحسب قواعدهم؟ وهل من العدل أن نكون إلى الأبد في (قفص الاتهام)، ونقضي العمر في الدفاع عن أنفسنا وردّ الاتهامات؟ أما حان أن نغيّر قواعد اللعبة، وأن نلعبها بحسب قواعدنا نحن؟
نقولها بصراحة: حان تصحيح قواعد اللعبة في هذا الشرق الأوسط، وحان أن يفهم أصحاب الذهنيات الاحتلالية أن مكانهم الطبيعي هو (قفص الاتهام) و(كرسي الاعتراف)، لا منصّة (الحاكم)، ومطلوبٌ منهم أن يقدّموا لنا كشف الحساب عن سلسلة طويلة من الجرائم ارتكبوها بحق الشعوب: احتلال أوطان، وتدمير هويّات، وشيطنة ثقافات، وتمزيق لغات، ونهب ثروات، واستغلال طاقات، وأنفالات.
ونقول بمنطق حقائق التاريخ، لا بمنطق (الخرافة والقوة): إن الدولة السورية- كائناً ما كان اسمها- تحتل جزءاً من وطن الكُرد وتستعمرهم، ويقتضي تغيير قواعد اللعبة أن تُناقَش المسألة الكُردية في الدولة السورية من هذا المنظور، وليس وفق منطق (الأمر الواقع). وسنتناول لاحقاً الوجود الكُردي في دولة سوريا، ليس بحثاً عن مفاتيح الخروج من (قفص الاتهام)، وإنما لتوضيح الحقيقة فقط.

الحلقة (7)
مدخل إلى تاريخ إقليم غرب كُردستان
الثلاثي العظيم:
الأمّة التي تعيش خارج دولتها تبقى خارج التاريخ، تراثُها يندثر، لغتُها تتخلّف عن ركب الحضارة، شخصيتُها تُخترَق، قيمُها تنهار، أدمغتُها وعضلاتُها وآدابُها وفنونُها وثرواتُها تصبح مُلكاً للمحتلين، ويزحزحها المحتلون من تحت شمس التاريخ، ويغيّبون أمجادها ومنجزاتها، ويدفعون بها إلى الظلمة الأبدية.
ومنذ أن خسر أسلاف الكُرد دولتهم الوطنية (مملكة ميديا) عام (550 ق.م)، خسروا درعهم الواقية، وتفنّن المحتلون في تدمير هويتهم، تمهيداً لصهرهم وإبادتهم، ولولا الثلاثي العظيم (جبال كُردستان، الشخصية الكُردية الصُّلبة، الأمّهاتُ الكُرديات الولودات)، لكانت الأمّة الكُردية الآن منقرضة أو على حافّة الانقراض.
لذا أصبح البحث عن أيّة معلومة تتعلق بالتاريخ الكُردي القديم، أشبه بالبحث عن إبرة في بَرّ أو عن سمكة في بحر، والأكثرُ إشكالاً أن الحصول على تلك المعلومة لا يتحقق في الغالب إلا من خلال ما ورد في مصادر الدول التي احتلّت كُردستان، ومن وجهة نظر أنظمة الاحتلال، وبالقدر الذي شاءته تلك الأنظمة.
وحينما يتعلّق الأمر بتاريخ إقليم غرب كُردستان تصبح المهمّة أصعب، والأسباب متنوّعة، أبرزُها وقوع هذه المنطقة في جغرافيا الأطراف من كُردستان، وجغرافيا الأطراف في وطن أيّ شعب أكثر عُرضة للصراعات والاحتلالات. وقبل البحث في تاريخ إقليم غرب كردستان، دعونا نستعرض بعض الحقائق التاريخية.
حقائق في عمق التاريخ:
منذ 25 قرناً وكتابة تاريخ غربي آسيا- في أغلبها- واقعة تحت سلطة أنظمة الاحتلال والقهر وإنكار الآخر، وإذا بقينا دائرين في فلك الكتابات التاريخية التي أنتجتها تلك الأنظمة؛ فسنخرج بنتيجة خلاصتُها ما يلي:
1 – الكُرد ليسوا بشراً أصلاً، وهم من سلالة الجن والشياطين.
2 – الكُرد بشرٌ، لكن أصولهم إمّا فارسية، وإمّا عربية، وإمّا تركية.
3 – الكُرد بشرٌ، لكنهم ليسوا شعباً، ولا جذور لهم في غرب آسيا، وإنما هم قبائل متخلّفة هائمة في الجبال، تجيد صناعة البطش وقطع الطرق.
4 – الكُرد بشرٌ وشعب، لكنهم شعبٌ بلا وطن، و(كُردستان) وهمٌ لا حقيقة.
وأقدم معلومة تتعلّق بالكُرد وردت في تواريخ أنظمة الاحتلال، هي قول الملك البارثي (الأرشاكي) الأخير أَرْدَوان حوالي عام (226 م) للملك الساساني الأول أَرْدَشَير بن بابَك بن ساسان: ” أيّها الكُردي المُربَّى في خيام الأكراد، مَن أذِن لك في التاج الذي لبسته، والبلاد التي احتويتَ عليها، وغلبتَ ملوكَها وأهلَها”([1])؟ مع الأخذ في الحُسبان أن هذا القول نفسه لم يُفرَج عنه إلا لأنه يصوّر الكُرد على أنهم رعاة متخلّفون سلاّبون نهّابون، لا يصلحون أصلاً لإقامة الدول وحُكم البلاد.
وقد كتبنا ذات مرّة أنّ على الكُرد تغييرَ قواعد اللعبة مع المحتلين، ونعتقد أن إعادةَ قراءة تاريخ غرب آسيا، وإعادةَ كتابته على نحو واقعي وصائب، ووضْعَ كل حدثٍ في سياقه التاريخي الطبيعي، والتعاملَ مع كل معلومة بمنطق الباحث الموضوعي لا بمنطق الغازي المفترِس، من أُولى ضروريات تغيير قواعد اللعبة. ولذا فالبحث في تاريخ غرب كُردستان لن يكون متكاملاً وصائباً، ما لم يوضع في السياق العامّ لتاريخ غرب آسيا عامّة، ولتاريخ الأمّة الكُردية خاصّة، ولتوضيح هذا السياق نستعرض الحقائق التالية:
1 – الأقوام الزاغروسيون (نسبةً إلى جبال زاغروس مهد الأمّة الكُردية) هم من أوائل الجماعات التي ظهرت على أيديها بواكير الحضارة في غرب آسيا، وخاصة الانتقال من السكن في الكهوف إلى السكن في البيوت، وتدجين بعض الحيوانات للإفادة من ألبانها ولحومها، وإحداث ثورة زراعية بالانتقال من طور (جمع القوت) إلى طور (إنتاج القوت) في أواخر الألف (6 ق.م) وأوائل الألف (5 ق.م) ([2]).
2 – نتيجةً للثورة الزراعية، تكاثر البشر في جبال زاغروس وأطرافها الغربية، وانحدر بعض الزاغروسيين نحو سهول جنوبي ميزوپوتاميا (جنوب العراق حالياً) وأقاموا فيها، كان ذلك في أوائل (4 ق.م)، وكان السومريون هم الأبرز في هذا المجال، وقد أقاموا هناك أوّل حضارة مزدهرة في غرب آسيا، سبقت الحضارةَ المصرية المعاصرة لها في كثير من المنجزات([3]).
3 – منذ أوائل الألف (3 ق.م)، وقبل أن يصل الأموريون الساميون إلى سوريا الحالية، توسّع السومريون وسكنوا شمال سوريا، وقد ذكر محمد أبو المحاسن عصفور أن الأموريين هم أول شعب سامي عاش في سوريا حوالي منتصف الألف (3 ق.م)، “وأخذوا يتجولون في شمالي سورية قبل أن يستقرّ بهم المقام في أواسط حوض الفرات، وكانت هذه المنطقة تسكنها جماعات سومرية عند وفود الأموريين، ثم ما لبث هؤلاء [= الأموريون] أن أصبحوا يمثّلون غالبية السكان[= ليس كل السكان] “([4]).
وذكر صمويل كرايمر في هذا المجال أن مدينة ماري Mariالشهيرة (تسمّى الآن: تلّ الحريري، قرب مدينة أبو كمال) على الفرات داخل الحدود السورية، كانت من مراكز الحضارة السومرية الشهيرة في الألف (3 ق.م)، وفي الألف (2 ق.م) أصبحت السلالات الحاكمة من الأموريين الساميين([5]). وذكر د. عبد الحميد زايد أن (ماري) كلمة سومرية، وقبل أن يسيطر سرجون الأول الأكادي على بلاد سومر في حدود عام (2340 ق.م) “كانت ماري مركزاً لبعض الأسرات السومرية القديمة، وفي خلال الألف الثاني ق.م أصبحت ماري وما حولها أمورية”([6]).
4 – الأقوام الآريون (نسبة إلى كلمة (آري؛ أيْ النبيل، المَجيد)، كان موطنهم الأصلي- حسب أرجح الأقوال- يقع في أُوراسيا (جنوبي روسيا)، ومع نهاية الألف (3 ق.م) بدأوا بالانتشار شمالاً وغرباً نحو أوربا، وجنوباً نحو شمال الهند، وغرباً نحو جبال زاغروس، وكان الميديون والفُرس آخر الموجات الآرية التي وصلت إلى مناطق زاغروس حوالي (1000 ق.م)، وكان الآريون هم الأقوى باعتبار أنهم كانوا يستخدمون الخيل في الحروب، فسيطروا على أقوام زاغروس، وخلال القرون التالية اندمج الزاغروسيون والآريون معاً، وأصبحوا تكويناً إثنياً وثقافياً وسياسياً متجانساً([7]).
5 – في القرون اللاحقة، أصبحت ميزوپوتاميا ومناطق شرقي البحر الأبيض المتوسط (سوريا الآن) ساحة تنافس وصراع بين أقوام الجبال الزاغروس آريين (سُوبارتيون، جُوتيون، كاشيون، حُوريون/ميتانيون، خَلْديون/أُورارتيون، ميديون)، وأقوام الصحارى الساميين (أكاديون، كنعانيون، أموريون بما فيهم البابليون، آشوريون، كلدان، آراميون)، وتبادل الفريقان السيطرة عليها. وفي الغالب كان نهر دجلة في ميزوپوتاميا، وشمال سوريا الحالية (مناطق إقليم غرب كردستان) الحدَّ الفاصل بين أقوام الجبال وأقوام الصحارى.
6 – الكُرد هم أحفاد أقوام الجبال الزاغروس آريين، والأمّة الكُردية هي التكوين القومي الوحيد الذي يمثّل الزاغروس آريين إثنياً وثقافياً، بدءاً من السومريين، وانتهاءً بالميديين والكُردوخ، في أقاليم كُردستان الأربعة، وهذا ليس ادّعاءً ولا اختلاقاً ولا رجماً بالغيب، وإنما هذا ما تؤكده حقائق التاريخ ويؤكده منطق العقل، ولأهمية هذا الموضوع سنناقشه لاحقاً في بحث مستقلّ.

الحلقة (8)
جغرافيا إقليم غرب كُردستان في عمق التاريخ
حينما تسقط الخرافة:
حينما يمتلك الكُرد سلطتهم الحقيقية في وطنهم، ويقومون بالحفريات في التلال والخرائب القديمة، وتنشط الدراسات الأركيولوجية في مؤسسات البحث العلمي الكُردستانية، ستظهر حقائق مغيَّبة مُذهِلة، وستسقط الخرافات التي دُسّت في تاريخ الشرق الأوسط، وصُوّرت على أنها حقائق مقدّسة لا يجوز المَساس بها.
وفي إطار ذهنية الخرافة والاختلاق والتحريف والتغييب، أُشيع أنه لا وجود للكُرد في دولة سوريا. ثم قيل تحت ضغط الواقع: نعم الكُرد موجودون في سوريا، لكنهم قلّة ومهاجرون جاؤوا من وراء الحدود. ولمّا تبيّن للقاصي والداني أن الكُرد ليسوا قلّة، قيل: وجود الكُرد في سوريا يعود فقط إلى العهد الأيّوبي في القرن (6 هـ = 13 م)، حينما جلب السلطان صلاح الدين قبائلَ كُردية لمحاربة الفرنج (الصليبيين)،أمّا قبل ذلك فلم يكون للكُرد وجود في هذه المنطقة.
وما قيل بشأن الكُرد وصلاح الدين هو نصف الحقيقة، أما النصف الآخر المغيَّب، فهو أن الوجود الكُردي في شرقي البحر الأبيض المتوسط عامّة، وفي إقليم غرب كُردستان خاصّة، يعود إلى العهد الحُوري، وإن التاريخ الحُوري هو المدخل الصائب لمعرفة تاريخ إقليم غرب كُردستان. وقبل ذلك دعونا نبحث في جغرافيا (غرب كُردستان)، تُرى ماذا تعني؟ وهل لها وجود في عمق التاريخ؟
مصطلح إقليم غرب كُردستان:
إقليم غرب كُردستان هو الجغرافيا الكُردية التي ضُمّت إلى دولة سوريا منذ عام (1921)، بموجب اتفاقية فرنسية- تركية، وكان ذلك من إفرازات اتفاقية سايكس- پيكو المعقودة بين إنكلترا وفرنسا عم (1916). ويقع إقليم غرب كُردستان في شمال سوريا المتاخم لدولة تركيا، ويمتد من (عين دِيوار) شرقاً إلى منطقة (عَفرين) المتاخمة للواء إسكندرون غرباً. وبسبب ظروف الاحتلال، لا توجد إحصاءات دقيقة لمساحة الإقليم ولعدد السكان، وتقدَّر مساحته بحوالي (18000) ثمانية عشر ألف كيلو متر مربع، ويُقدّر عدد سكانه بحوالي مليونين ونصف نسمة، وجدير بالذكر أن المناطق الكُردية تمتد عبر (لواء إسكندرون)، وتصل إلى ساحل البحر المتوسط.
وأبرز مدن الإقليم من الشرق إلى الغرب هي: دَيريك، ورميلان، وتِرْبَه سِبِيَه، وقامشلو، وعامودا، وحَسَكة، وسَرَى كانِيَه، وكُوباني، وعَفرين. ويتفاوت عرض الإقليم من حيث الضيق والاتساع، فيصل إلى جنوب مدينة الحَسَكة في الجزيرة، ويقترب من الضواحي الشمالية لمدينة حلب، وينحسر تارة ليقارب الحدود السورية- التركية، ويتألّف ديموغرافياً من أغلبية كُردية، ويقيم فيه السريان والآشوريون والأرمن والعرب أيضاً، وسنتناول وجود هذه الشعوب في الإقليم لاحقاً.
(انظر الشكل 1- إقليم غرب كردستان- إعداد مركز ياسا الكُردي للدراسات والاستشارات القانونية- بون- ألمانيا).
وإقليم غرب كُردستان امتداد جغرافي وديموغرافي وثقافي لشمال كُردستان، فمنطقة ديريك امتداد لمنطقة بُوتان، ومنطقة قامشلو امتداد لمنطقة نِصيبين، ومنطقة سَرَى كانِيَه (رأس العين) امتداد لمنطقة ماردين، ومنطقة كُوباني (عين العرب) امتداد لمنطقة أُورْفَه (رُها)، والمناطق الكُردية في أقضية الباب وأَعْزاز وعَفرين امتداد لمنطقة كِلِّس التابعة لـ (عَينتاب)، وفي الغالب ينتمي الكُرد على طرفي الحدود إلى عشائر مشتركة، ويظهر ذلك في اللهجات التي يتكلّمون بها على طرفي الحدود السورية- التركية، وفي الأزياء التي يلبسونها.

وينقسم إقليم غرب كُردستان جغرافياً إلى قسمين رئيسيين:
1 – القسم الواقع شرق نهر الفرات (يسمّى الجزيرة).
2 – القسم الواقع غرب نهر الفرات، والواصل إلى البحر المتوسط.
وقد مرّ في دراسة لنا سابقة أن اسم (سوريا) كان يُطلق منذ القرن (5 ق.م) على المنطقة الواقعة بين نهر الفرات والساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط من شمال سوريا الحالية، ثم أطلق الرومان هذا الاسم على المناطق الممتدة من كيليكيا شمالاً إلى جنوب فلسطين، ولم يكن لمنطقة الجزيرة الواقعة شرق نهر الفرات أية علاقة بهذه التسمية([8]).

غرب كُردستان = غرب سوبارتو:
الحقيقة أن تاريخ إقليم كُردستان لا يبدأ مع القرن ( 5 ق.م)، ومع اسم (سوريا)، إن تاريخه أقدم من ذلك بكثير، وثمّة معلومات عديدة تفيد أن المنطقة الشرقية من إقليم غرب كُردستان (الجزيرة) كان يشكّل القسمَ الغربي من جغرافيا (سُوبارتو)، وجدير بالذكر أن اسم (سوبارتو) كان يشمل جغرافياً أغلب مناطق كُردستان الحالية، وقد ورد اسم (سوبير) أو (سوبار) SU. BIR, SU. BAR في كتابات ملك مدينة لگش السومري المدعو (إي أَناتُم – حكم حوالي 2470 – 2430 ق.م)، ولعل اسم السوباريين ما زال باقياً في اسم قبيلة زِيباري (سِيباري= سوباري) الكُردية الكبيرة والمقيمة في الجغرافيا العريقة للسوباريين الأوائل.
وفي عهد الملك الأكادي سَرْجُون الأول (شاروگين- حكم بين 2350 – 2294 ق.م) كان اسم (سُوبير) يشمل البلاد العليا (مناطق كُردستان الجنوبية والوسطى والغربية)، ويصل عبر شمال سوريا إلى مدينة أَلالاخ (تسمّى حالياً: تل عَطشانة)، وتقع أَلالاخ في شمال غرب سوريا بين أنطاكيا وحلب، وتحديداً على نهر العاصي في منطقة (عَمْق) التي هي امتداد لجنوب منخفَض (جُومَه) Cûme في منطقة عَفرين الكُردية. وكان اسم (سوبارتو= سوبير) يشمل مناطقَ الفرات العليا، ووديان نهر مراد صُو، ودياربكر، ودوّنها الملك البابلي حمورابي (1792 – 1750 ق.م) بصيغة ماتُوم إليتُوم matum elitum (البلاد العليا) ([9]). (انظر الشكل 3).
وجدير بالملاحظة أن معظم أسماء الأماكن الواردة في الخريطة التالية، مثل (بادية الشام، جبال العلويين، جبل الدُّروز) لم تكن موجود حينذاك، وهذا نموذج من أساليب تغييب الأسماء السورية الأصلية القديمة في المراجع التاريخية الحديثة، وإحلال الأسماء العربية محلَّها، للإيهام بأن هذه الأماكن كانت عربية منذ الأزل.

والسوباريون (السوبارتيين) هم من أقوام جبال زاغروس، وهم أقدم أسلاف الكُرد، ويقول الدكتور محمد بَيّومي مهران في هذا الشأن: ” ويرجّح البعض أن السومريين نزلوا في هذه النواحي قبل الساميين الغربيين [ المقصود: أكادي- أموري- آشوري]، وجعلوا منها مراكز لحضارتهم الشمالية”([10]).
وثمة أكثر من مؤرخ يرى أن السومريين جاؤوا في الأصل من جغرافيا سوبارتو، يقول الدكتور سامي سعيد الأسعد: ” أسماءُ كثير من المدن السومرية لم تكن بأسماء سومرية، بل سوبارية (الفراتيون الأوائل)، أمثال مدن: أُور، أَرِيدو، أُورُوك، سِپار، لارْسا، لَگش، وما إلى ذلك، وإذا ما تصفّحنا الكثير من الكلمات السومرية نرى أن منها ما قد يكون كلمات سوبارية”([11]).
وهذ يعزّز ما ذكرنا في دراسات سابقة بشأن أن السومريين هم في الأصل فرع من أسلاف الكُرد الزاغروسيين، انحدروا من جبال زاغروس في أواخر العصر الحجري الحديث إلى المناطق السهلية في سوبارتو، وخاصة المناطق الواقعة بين نهري الزاب الأسفل والزاب الأعلى، ثم انحدروا بعد ذلك إلى جنوب ميزوپوتاميا، وأقاموا هناك الحضارة وأسّسوا دول- المدن، وعُرفوا باسم (السومريين).
وثمّة أدلة كثيرة على أن الآشوريين دخلوا بلاد سوبارتو منذ حوالي عام (2000 ق.م)، وعاشوا في ظل الحكم السوبارتي، ثم تغلّبوا على السكان الأصليين، وسيطروا على البلاد، وأسّسوا فيها مملكة آشور، فعُرفت تلك المنطقة بعدئذ باسم (بلاد آشور)، وقد ذكر هاري ساغز أن سرجون الأول الأكادي (حكم بين 2350 – 2294 ق.م) هاجم منطقة تدعى سوبارتو، وكان هذا الاسم يُطلَق على الأراضي الشمالية في شرق سوريا، وكان الجزء الأوسط منها يدعى (آشور)، وكان هذا الجزء على هيئة مثلّث، ويقع بين نهر دجلة ونهر الزاب الأعلى ونهر الزاب الأسفل([12]).
ويقول الدكتور عامر سليمان، والأستاذ أحمد مالك الفِتيان: ” لم يكن اسم آشور معروفاً في القسم الشمالي من العراق قبل الألف الثالث قبل الميلاد، بل كان يُطلَق على السكان القاطنين في المنطقة اسم (سوباريين)، بينما أُطلق على البلاد اسمُ (سوبارتو)، وعند مجيء الآشوريين إلى المنطقة غَلَب اسمُ الآشوريين وبلاد آشور، وانصهر السوباريون مع الآشوريين، بينما نزح البعض منهم إلى المناطق الجبلية”([13]). (انظر الشكل 4).

والخلاصة أن القسم الأكبر من إقليم غرب كُردستان، ولا سيّما النصف الشرقي منه (منطقة الجزيرة)، منذ ما قبل الميلاد بلا أقل من 25 قرناً، كان امتداداً جغرافياً وديموغرافياً وثقافياً لبلاد أسلاف الكُرد الزاغروسيين، والتي كانت حينذاك تحمل اسم (سوبارتو)، وإن (غرب كُردستان) هو في الحقيقة (غرب سوبارتو). (انظر الشكل 5).

وسنستعرض لاحقاً معلومات تاريخية موثّقة، تؤكّد الهوية الكُردية لإقليم غرب كُردستان، وتؤكد الترابط الوثيق بينه وبين أجزاء كُردستان المتاخمة له.
——————————-

المراجع:
[1] – الطَّبَري: تاريخ الرسل والملوك، 2/39. وانظر ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 1/350.
[2] – بونغارد – ليفين (إشراف): الجديد حول الشرق القديم، ص 62. جيمس ميلارت: أقدم الحضارات في الشرق الأدنى، ص 157 – 163.
[3] – جورج رو: العراق القديم، ص 123. محمد بَيُّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 89 – 92. حسن محمد محيي الدين السعدي: في تاريخ الشرق الأدنى القديم، ص 52.
[4] – محمد أبو المَحاسِن عُصفور: معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم، ص 176 – 177.
[5] – صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص 52، هامش 2. وانظر عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 43.
[6] – عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 237. وانظر خَزْعَل الماجدي: المعتقدات الأمورية، ص 15.
[7] – طه باقر وآخران: تاريخ إيران القديم، ص14. جورج رو: العراق القديم، ص 308 – 311. أرنولد توينبي: تاريخ البشرية، 1/115.
[8] – هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ص 62]. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، 1/78.
[9] – د. جمال رشيد أحمد: كركوك في العصور القديمة، ص، 23، 25، 55. وانظر جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكرة، ص 112. د. محمد بيّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 344.
[10] – د. محمد بيّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 325.
[11] – د. سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري، ص 47.
[12] – هاري ساغز: عظمة آشور، ص 29. وانظر د. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 81. د. محمد بَيّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 323.
[13] – د. عامر سليمان، أحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، ص 143.

شاهد أيضاً

الشرق الملتهب كيف سيكون بعد 3 أشهر؟..

الشرق الملتهب كيف سيكون بعد 3 أشهر؟.. مركز stratfor الأميركي يتوقع ما سيحدث في سوريا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *