الرئيسية » مقالات الكتاب » ما العمل لبناء الشخصية الكرُدستانية الأصيلة؟
kurdistan
kurdistan

ما العمل لبناء الشخصية الكرُدستانية الأصيلة؟

سلسلة: نحو مشروع كرُدستاني استراتيجي

kurdistan
kurdistan

( الحلقة 22 )
ما العمل لبناء الشخصية الكرُدستانية الأصيلة؟

Sozdar Mîdî (E. Xelîl) Dr.
الأمم ليست أعداداً وجغرافيا فقط، ولا مؤسّسات سياسية وثقافية واقتصادية فقط، ولا جيوشاً ولا أسلحة فقط، الأمم قبل ذلك مبادئ وقيم، المبادئُ والقيم هي روح الأمّة، وهي التي تصنع إرادة الأمّة، وتكوّن شخصية الأمّة. إن أمّة تتأسّس شخصيتها القومية على المبادئ والقيم النبيلة، تكون بلا ريب أمّةً قويةً، واثقةً بذاتها، متفوّقةً، قادرةً على مواجهة الأخطار، رافضةً للاحتلال والعبودية.
فعلى ضوء ما سبق، تُرى ما حال الشخصية الكُردستانية المعاصرة؟
التصنيف الكرُدَواري:
أخطر ما قام به محتلّو كرُدستان، خلال 25 قرناً،
هو تخريب شخصيتنا الكرُدستانية الأصيلة،
وللتوضيح، دعونا نستعرض التصنيف الكرُدَواري التالي:
1 – الكرُدي الأصيل: نبيلٌ في مواقفه سلوكه، مرتبطٌ بأمّته وعياً ورؤيةً وقِيَماً وقولاً وعملاً ومشاعر ومصيراً، ويوظّف قدراته في سبيلها بإخلاص.
2 – الكرُدي الأحمق: حامي الرأس، أهوج، ينجرف مع الحسابات الشخصية أو العائلية أو القَبَلية أو الحزبية، ويقدّمها على المصالح العليا لأمّته.
3 – الكرُدي المغفَّل: رؤيتُه قاصرة، تفكيرُه ساذَج، تفسيرُه للمشكلات سطحي، يخطئ في ترتيب الأولويات، ينشغل بالفروع ويهمل الأساسيات.
4 – الكرُدي الجاهل: متخلّفٌ، يجهل هويتَه وتاريخَ أمّته وتراثَها وثوراتها وتضحياتها، يعيش خارج الانتماء الكرُدستاني الحقيقي.
5 – الكرُدي المتخاذل: غيرُ مهتمّ بقضية تحرير كرُدستان، ولا يدافع عن أمّته بقول أو بكلمة يكتبها، أو بفلس يدفعه، أو بكفاح في ميادين القتال.
6 – الكرُدي الانتهازي: غارقٌ في أنانيته، يرى أمّته من خلال ما يَكسبه من مال أو منصب، غيرُ مهتمّ بعذابات شعبه وقضية تحرير كرُدستان.
7 – الكرُدي الممسوخ: منسلخٌ من هويّته، متنكّرٌ لأمّته قولاً وعملاً، لم يَعُد كرُدستانياً لا في رؤيته، ولا في تفكيره، ولا في قيمه، ولا في مشاعره.
ولم نختلق هذا التصنيف من الوهم، وإنما كوّناه من مصدرين؛ هما أحداثُ تاريخنا منذ أربعة آلاف عام، والواقعُ الكرُدي المعاصر. ومعروف أن كلّ تصنيف ينبغي أن يتمّ بناء على معايير محدَّدة، وقد أقمنا هذا التصنيف وفق معيارين:
1 – القِيَم السامية عامّةً (نُبل، شجاعة، فِداء، إخلاص، إلخ).
2 – القِيَم التي يحتاجها الكرُد للانتصار في معركة التحرير.
والحقيقة أن حالة الهزيمة التي نعيشها دليل على أن نِسبة الكرُد الأصلاء في مجتمعنا قليلة، ونِسبة الكُرد من النماذج الأخرى هي الغالبة، وهؤلاء مشاركون في صناعة حالة الهزيمة، وكانوا- وما زالوا- أكبرَ عَون للمحتلين، وأخطرَ عقبة في طريق الكرُد الأصلاء المكافحين لتحرير كرُدستان، وهم أكبر بلاء على الأمّة.
فكيف نعدّل هذه النسبة؟ وكيف نبني شخصية كرُدستانية أصيلة؟
بناء الشخصية الكرُدستانية:
لبناء شخصية كُردستانية أصيلة ينبغي إنجاز ما يلي:
1 – امتلاك المعرفة:
قال توماس جيفرسونThomas Jefferson: ”
إذا ما توقّعتْ أمّةٌ أن تكون جاهلة وحرّة فهي تتوقّع ما لم يَحدثْ ولن يحدثَ قطّ”( [1]). وما أحوجنا نحن الكُرد إلى المعرفة! لكن أيّة معرفة؟ المعرفة المؤسَّسة على الواقعية والعلم، لا على الوهم والخُرافة. فبالمعرفة يتمكّن المرء من اكتشاف ذاته، وتحرير شخصيته من قيم الانحطاط والهزيمة. إن كرُدياً جاهلاً لن يتمكّن من اكتشاف ذاته، ولن يقدر على تحرير شخصيته، إنه على الدوام عُرضة للوقوع في قبضة الحماقة، أو الغفلة، أو التخاذل، أو الانتهازية، أو الخيانة. وما أكثر الأمثلة على ذلك في تاريخنا!
2– امتلاك الثقافة الكرُدستانية:
تاريخ، لغة، أدب، ميثولوجيا، فولكلور، إلخ)، إنك بثقافتك القومية تتوحّد بأمّتك، تعرف جذورك في التاريخ على امتداد عشرة آلاف عام، وتفكّر في مستقبل أمّتك على مدى ألف عام، تشعر أنك مرتبط بها، ومسؤول عنها، ومُطالَبٌ بتقديم فاتورة نضالك لأجيالنا القادمة. إن كرُدياً جاهلاً بثقافته القومية كرُديٌّ بلا جذور، كرُديٌّ بلا هوية وطنية، كرُديٌّ بلا إرادة قومية، كرُديٌّ بلا مشروع قومي،
ويسهل على المحتلين اصطياده وتسخيره لأغراضهم الاستعمارية.
3– رفض ثقافات المحتلين:
لم يكتف المحتلون بتشويه جزء من ثقافتنا، وتغييب الجزء الآخر، وإنما فرضوا علينا ثقافاتهم الظلامية أيضاً، وخاصّة عبر الدِّين والمذهب. وبعد أن احتلّونا وطننا بسيوفهم سلّطوا علينا ثقافاتهم، لاقتلاعنا من جذورنا،
ومَسْخنا مسخاً كاملاً.
لذا من الضروري جداً التحرّرُ من ثقافاتهم،
فكلُّ كُردي واقع تحت سلطة ثقافاتهم لا يمكن أن يبقى كُردستانياً أصيلاً مهما رغب في ذلك.
قال وزير خارجية پولندا سنة (1939 م
( إننا نخسر مع الألمان استقلالَنا، ومع السوڤيات نخسر روحَنا “( [2])
. وكذلك حالنا، فنحن نخسر مع ثقافات المحتلين هويتنا.
4 – الاقتداء بعظمائنا: رغم تخريب شخصيتنا الكُردستانية، أنجبت أمّتنا العظماءَ في كل مرحلة من مراحل تاريخنا، هؤلاء جسّدوا قيم الشجاعة والبطولة والإخلاص والفداء، وتوحّدوا بأمّتهم. وكما ظلّت قمم جبالنا شامخة، وظلّ وطننا يُنبت النرجس مع كل ربيع، وظلّت نار الإله يَزدان متوقّدة، ظلّ عظماؤنا أيضاً يُشرقون في تاريخنا جيلاً بعد جيل، وبتضحياتهم أبقوا أمّتنا واقفة على أقدامها وسط الأهوال.
5 –
ممارسة النقد الذاتي:
قال الحكيم الصيني كونفوشيوس:
النبيل يبحث عمّا في نفسه، أمّا المنحطّ فيبحث عمّا في غيره “( [3]). فانظر من أنت؟ هل أنت كرُدي أصيل؟ أم أحمق؟ أم مغفّل؟ أم جاهل؟ أم متخاذل؟ أم انتهازي؟ أم ممسوخ؟
إن مجرّد بحثك عن ذاتك، وقدرتِك على تصنيف نفسك، يعني أنك استيقظت، ووضعت قدمك على الطريق الصحيح، واسترددت وعيك الكُردستاني، وُلدت من جديد، ومن المحال حينئذ أن تبقى خارج أمّتك وخارج مشروعها التحريري.
يا شعبنا! الأحزاب، والشعارات، والأموال، والمقاتلون، والأسلحة، غيرُ كافيةٌ وحدها لتحرير كرُدستان. العاملُ الأكثر أهمية هو الشخصية الواعيةُ لهويتها، الملتزمةُ بإنسانيتها، الغيورةُ على كرامتها، المدافعة عن وطنها ببسالة وبلا حدود. بهكذا شخصية تصبح بقيّة العوامل مؤثّرة، وهي الضمان لانتصار مشروعنا التحريري.
إن كرُدياً يجهل هويته الأصيلة كيف يمكنه الدفاع عن أمّته ووطنه؟ وإن كُردياً يعيش بفكر الهزيمة كيف يمكنه أن يصنع النصر في حربنا الطويلة مع الاحتلال؟
وإن كُردياً لم يتحرّر من ثقافة العبودية كيف يقدر على تحرير كُردستان؟
وإن كُردياً هيمنت عليه قيم الانحطاط كيف يمكنه اتخاذ المواقف البطولية؟
الشخصية الأصيلة هي التي تُولِد القائدَ العظيم، والسياسيَ العظيم، والمقاتلَ العظيم، والمفكّرَ العظيم، والأديبَ العظيمَ، والموسيقيَ العظيم، والفلاحَ العظيم، والعاملَ العظيم. وطوال تاريخنا كان الكُرد الذين خسروا أصالتهم من أهمّ أسباب فشل ثوراتنا، من بينهم نبت الحمقى، والمغفَّلون، والمتخاذلون، والانتهازيون، والانهزاميون، والخونة.
فلنجعل بيوتنا، ومدارسنا، وجامعتنا، ومؤسّساتنا، ومعسكراتنا، ومجالسنا، ودراساتنا، ورواياتنا، وأشعارنا، وموسيقانا، وأغانينا، وأزياءنا، ورموزنا، وراياتنا، وشعاراتنا، وأسماءنا، وإعلامنا، ومواقفنا، ساحة لبناء الشخصية الكُردستانية الأصيلة.
ومهما يكن فلا بدّ من تحرير كرُدستان!
16 – 8 – 2014
الكاتب سوزدار ميدي Sozdar Mîdî (E. Xelîl) Dr.

sozdarmidi@outlook.com
[1] – ياكوفليف: على حافّة الهاوية، ص 77.
[2] – مصطفى بدر: أشهر الأخطاء السياسية والعسكرية والاستراتيجية، 1/47.
[3] – عمر عبد الحَيّ: الفلسفة والفكر السياسي في الصين القديمة، ص 171.

شاهد أيضاً

ﺍﻹﻧﻔﺼﺎﻝ .. ﻭﻭﺭﻗﺔ ﺍﻟﺘﻮﺕ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ” . 

ﺍﻹﻧﻔﺼﺎﻝ .. ﻭﻭﺭﻗﺔ ﺍﻟﺘﻮﺕ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ” .  ﻛﺜﺮﺕ ﻓﻲ ﺍﻵﻭﻧﺔ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﺍﻟﺴﺠﺎﻻﺕ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻼﺕ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *