2017/10/22 - 3:41 ص

جبليون أوائل: هل السومريون من أجداد الكرد القدماء؟

هل السومريون من أجداد الكرد القدماء؟

جبليون أوائل: السومريون
هل السومريون من أجداد الكرد القدماء؟
Dr-Sozdar Mîdî‎‏ ‏
إن الذين يخافون مواجهة الحقائق هم الأكثر هرباً من قراءة التاريخ بواقعية، وهم الأكثر حرصاً على التغييب والتحوير والتزوير، وهم الأكثر تضليلاً للأجيال، والأكثر إساءة إلى ذاكرات الشعوب، وكي نكون صادقين، ونحن نفسّر التاريخ، ينبغي أن نتحلّى بقدر كبير من الشجاعة العلمية؛ لأننا قد نكتشف- شئنا أم أبينا- حقائق لا تريحنا دينياً، وقد تُغضبنا وتثير فينا الحميّة قومياً، وقد تصدمنا فتهدّم منظومات كاملة من القناعات المخزَّنة في وعينا ولاوعينا.
ومن جملة تلك الحقائق في تاريخ غربي آسيا ذلك الصراع المستمر- جهراً أو خفاء- منذ الألف الرابع قبل الميلاد؛ إنه الصراع بين سكان (جغرافيا الجبال) وسكّان (جغرافيا الصحراء)، وكان موضوع الصراع هو (جغرافيا السهول) في بلاد الرافدين، وفي امتداداتها غرباً باتجاه شرقي المتوسط، عبر النصف الشمالي من سوريا في أغلب الأحيان.
وفي بعض كتاباتنا سمّينا ذلك الصراع (تنافساً) من باب التلطيف ليس غير، وإلا فإنه كان صراعاً طويلاً وضارياً، طحنت رحاه أرواح الملايين من أرواح شعوب بيتنا الغرب آسيوي خلال خمسة آلاف عام، وسفك كثيراً من دموع أجدادنا وجداتنا، وابتلع كمّاً هائلاً من ثرواتنا، وأحسب أن بعض فصول ذلك الصرع ما زال قائماً إلى يومنا هذا، ويؤسفنا القول بأنه مرشَّح لأن يستمر أجيالاً أخرى؛ ما لم تَحْلُل (ثقافة الإخاء) في بيتنا الكبير محلّ (ثقافة الإلغاء).
ودعونا نوضّح الأمر أكثر.
إن سكان جغرافيا الصحراء (شبه الجزيرة العربية) كانوا يفتقرون إلى موارد الحياة الكافية لهم ولأنعامهم، وبما أن البحر يطوّقهم من الغرب (البحر الأحمر)، ومن الجنوب (بحر العرب)، ومن الشرق (الخليج)، فكان ثمة منفذان وحيدان متاحان لهم: الأول في الشمال الشرقي (بلاد الرافدين)، والثاني في الشمال الغربي (بلاد الشام)، فهناك المناخ المعتدل، والقدر الكافي من الأمطار، وكثير من السهول الكبرى الخصبة، وبعض الأنهار (الفرات ودجلة)، وأطلق المؤرخون على الأقوام التي خرجت من شبه الجزيرة العربية اسم (الشعوب السامية)، متأثرين بالمصطلح التوراتي، وسمّاهم بعض المؤرخين حديثاً باسم (أقوام الجزيرة العربية). (عبد الحكيم الذنون: الذاكرة الأولى، ص 64).
أما سكان جغرافيا الجبال (زاغروس وطوروس وحوافّها المتاخمة للقوقاز) فكانوا بحاجة أيضاً إلى التمدد باتجاه الغرب، نحو (بلاد الرافدين) و(شمالي بلاد الشام)؛ إذ صحيح أن مناطقهم كانت وفيرة الأمطار، كثيرة الأنهار، لكنها كانت كثيرة الثلوج، شديدة البرد، عدا أن الرقعة الصخرية كانت هي الغالبة على بلادهم، وكانوا بحاجة ماسّة إلى السهول المتاخمة لجبالهم، يتدفق إليه الفيض السكاني، ويكون في الوقت نفسه مرتعاً للقطعان في الشتاء القارص، وقد مرّ أن سكان الجبال أولئك كانوا في الغالب من الشعوب الآرية، وهم التكوين الأساسي الذي أنتج الشعب الكردي في النهاية.
وهكذا بدأ الصراع الطويل بين الجبال والصحراء.
وإليكم بعض تفاصيل ذلك الصراع.
كان السومريون أقدم شعب جبلي منتِج للحضارة في غربي آسيا، وكان ذلك في أواخر الألف الرابع وأوائل الألف الثالث قبل الميلاد، وقد انحدر هذا الشعب من جبال زاغروس في الشمال، واستقر به المقام في جنوبي بلاد الرافدين، بدءاً من جنوبي بغداد حالياً إلى الخليج، حيث السهول الرسوبية الخصبة، وحيث يمر نهرا دجلة والفرات، وربما كان قدومهم هرباً من ضغط قبائل آرية أخرى قادمة من الشرق، وذكر الدكتور أحمد فخري (أستاذ تاريخ مصر الفرعونية والشرق القديم)، أن حضارة بلاد سومر فاقت الحضارة في مصر حينذاك، لكن فيما بعد تقدمت عليها الحضارة المصرية؛ بسبب وحدة البلاد ووجود حكم مركزي بقيادة ملك واحد. (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص40، المقدمة).
وسومر أقدم اسم أُطلق على جنوبي بلاد الرافدين ( ميسوبوتاميا Mesopotamia)، وجاء ذكر بلاد سومر في التوراة باسم (سهل شِنْعار)، إذ جاء بشأن الملك نِمْرُود (حسب الصيغة التوراتية):” وَكَانَ ابْتِدَاءُ مَمْلَكَتِهِ بَابِلَ وَأَرَكَ وَأَكَّدَ وَكَلْنَةَ، فِي أَرْضِ شِنْعَارَ” (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح العاشر، الآية 10). وتسمّى (سومر) بالأكادية (شومرد)، وتُكتب بالمصطلح المسماري (كي إن جي)؛ أي (البلاد السيدة). (عبد الحكيم الذنون: الذاكرة الأولى، ص 24).
وليس الآن مجال الإجابة عن السؤال الآتي: هل السومريون من أجداد الكرد القدماء؟ فتلك مهمة ينبغي أن نعدّ لها أكبر قدر ممكن من المعلومات، ونخضعها لكثير من التنقيب والتحليل والمقارنة؛ لكن مع ذلك لا تفوتنا الإشارة سريعاً إلى ثلاثة أدلة على وجود علاقةٍ ما بين السومريين و أجداد الكرد:
- الدليل الأول: جغرافي، فقد كان موطن السومريين، قبل الاستقرار في ميسوبوتاميا، هو جبال زاغروس، وهذا أمر اتفق عليه معظم من تناول تاريخ السومريين بالبحث.
- والدليل الثاني: لغوي يتجلّى في كلمة (شومرد)، وهي صيغة شبيهة جداً بالكلمة الكردية (جُومَرْد Gomerd)، بمعنى (الشهم، الكريم، السيد)، كما أنها صيغة شبيهة بالكلمة الكردية (جُهْ مَرْد Goh merd) بمعنى (سيد المكان).
- والدليل الثالث: لغوي أيضاً، فبتدقيق النظر في كلمة (كي إنْ جِي) يتضح أنها صيغة تكاد تكون طبق الأصل من الكلمة الكردية (آكِينْجي Akingi/ a- kin – gi)، وتعني (صاحب الأرض)، وهي تُطلق على من يقيم في قرية وله فيها أرض يملكها، وله من ثَمّ حق التحدّث في شؤونها.
ومرة أخرى أقول: ليس الآن موضع البحث في هذه الموضوع، مع أنه جدير بالاهتمام، ولعلنا نفرغ له ولأشباهه مستقبلاً على نحو أكثر توسعاً.
ولنعد إلى مسارنا الأساسي، ألا وهو الزحف الجبلي الأول- متمثّلاً بالسومريين- إلى ميسوبوتاميا، وصحيح أن السومريين أقاموا منظومة حضارية متكاملة، دينياً، وأدبياً، وزراعياً، لكن سيكولوجيا الجبال، بما تعنيه من شدة الاعتداد بالذات، وعدم الرضوخ للآخر، والعناد في الموقف، فعلت فعلها، فحالت دون قيام دولة مركزية سومرية طوال خمسة قرون، رغم شعور السكان بأنهم من جنس واحد، وظلت ميسوبوتاميا موزَّعة بين دول- مدن سومرية، أشهرها كيش، ونِيپور، وآداب، ولَجش، وأُورُوك، ولارسا، وأُور، وأَرِيدُو، وعجزت دول المدن السومرية من إنجاز مشروع توسعي إمبراطوري في المناطق المجاورة. (سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة ص 67. د. عبد العزيز صالح: الشرق الأدنى القديم مصر والعراق، ج 1، ص 40. عبد الحكيم الذنون: الذاكرة الأولى، ص 51).