الرئيسية » تاريخ » هذه هي عوامل قصورنا الذاتي

هذه هي عوامل قصورنا الذاتي

هذه هي عوامل قصورنا الذاتي

Sozdar Mîdî (Dr. E. Xelîl)

تصحيح الرؤية أولاً:
الحقائق الراسخة في عمق التاريخ هي الباقية إلى الأبد، أما الاختلاقات المدسوسة في التاريخ فإلى زوال مهما طال بها الزمن. ولو وجدت في تاريخنا القديم والمعاصر ما يؤكّد أننا لسنا تكويناً قومياً ولا أمّة بحدّ ذاتها، لأعلنت عن ذلك دون تردّد، ولأوقفت الحديث عن قومية اسمها (الأمّة الكُردية)، وعن وطن اسمه (كُردستان).

نحن بحسب علم الاجتماع السياسي- أمّة ذات جذور قومية عريقة جداً، تشكّلت خصائصها الأولية في عهد أسلافنا الجوتيين، ثم تطوّرت في عهد أسلافنا الحوريين وجدير بالذكر أن من أسماءالحوريين: خُرَدي؛ أي المقاتل اليَقِظ( [1])، والشبه الصوتي والدلالي قوي بين (خُرَدي، وكُردي). واقتربت خصائصنا القومية من النضج في عهد أسلافنا الميد. ثم ابتلينا طوال 25 قرناً بالاحتلالات المتتالية، فتخلخلت مسيرة التطوّر الطبيعي لخصائصنا القومية، وتعرّضت لنكسة حادّة، ومع ذلك لم تستطع مشاريع القهر والصهر والتبشيع أن تقتلعنا من جذورنا، ولا أن تغرّبنا عن ذاتنا القومية، ولا عجب، فهل من الممكن اقتلاع جبال زاغروس وطوروس من جذورها؟

أجل، إنّ كونَنا قوميةً/أمّةً مسألة مفروغ منها، وينبغي أن نتركها خلفنا، ولا نهتمّ بتشكيك المحتلّين ولا سيّما الفرس، وينبغي أن نوجّه الاهتمام إلى تحليل (حالة الهزيمة) التي نعيشها من 25 قرناً، وتحليل هذه الحالة يقودنا بالضرورة إلى البحث في مسألتين مهمّتين بينهما علاقة جدلية (تأثير/تأثّر)؛ هما (الوعي القومي) و(الدولة القومية).

وقد اعتدنا على اعتبار العوامل الخارجية مسؤولةً في الغالب عن الحالة الكُردية الشاذّة، ومن الضروري تصحيح الرؤية، والتركيز على عوامل القصور الذاتي، إنها فيروس يفتك بنا من الداخل، وهي التي أتاحت للعوامل الخارجية أن تفعل بنا ما فعلت، وفي تاريخنا شواهد كثيرة على ذلك، فكلما كانت الظروف الإقليمية والدولية تتيح لنا فرصةَ تحرير وطننا، وتأسيسِ دولتنا المستقلة، كان ذلك الفيروس الفتّاك ينشط، ويعيدنا مرة أخرى إلى حظيرة الاحتلال. وفيما يلي أبرز عوامل القصور الذاتي.

عوامل القصور الذاتي:

1 – العامل البيئي: للبيئة (جغرافيا، مُناخ، موارد)، تأثير بالغ الأهمّية في الإنسان، فهي تتفاعل مع الجينات، وتساهم في تكوين خصائصه والنفسية والعقلية، وأحواله الاجتماعية والثقافية والسياسية، هذه حقيقة علمية أكّدها بعض كبار العلماء والمفكرين، قال البيولوجي الفرنسي جُويل دُو رُوزْناي Joël de Rosnay: ” لقد احتفظنا بالبيئة التي خرجنا منها في ذَواتنا، إنّ جسدَنا يَروي تاريخَ أصولنا”( [2]). وقال المؤرخ البريطاني أَرْنُولْد تُوينْبي Arnold Toynbee: ” الجينات والبيئة يجب أن تؤخَذ في الحُسبان لدى أيّ محاولة لتفسير طبيعة التطوّر أو الخَلْق”( [3]).

إن البيئة السهلية المحيطة بالأنهار كانت أكثر قابلية لقيام سلطة مركزية (حوض النيل في مصر- حوض دجلة والفرات في ميزوپوتاميا – حوض نهر الغانج في الهند- حوض النهر الأصفر في الصين). أما البيئة الجبلية (قمم وعرة، وديان عميقة، منحدرات حادّة) فتعطّل توحيد القبائل الجبلية، وتنمّي في الإنسان نزعة الفردية الشديدة، والانعزال، والعناد، ومحدودية الرؤية، ولا تساعد على تغليب ثقافة واحدة أو اتجاه سياسي واحد، بل تصبح بؤرة لإنتاج الصراعات القَبَلية التي لا نهاية لها.

ومعروف أن بيئة كُردستان في معظمها جبلية وعرة، فرضت على المجتمع الكُردستاني قدراً كبيراً من العزلة الثقافية والاقتصادية والسياسية، ونمّت نزعة التمركز حول الذات الفردية والقَبَلية والمناطقية، وأعاقت نشأة سلطة مركزية كُردستانية. والشبهُ كبير بين بيئة كُردستان وبيئة اليونان، ولم تخضع بلاد اليونان لدولة مركزية إلا تحت الاحتلال المكدوني ثم تحت الاحتلال الروماني، هذا مع العلم أن اليونان منفتحة على البحر، في حين عانى المجتمع الكُردي في معظم العهود من العزلة القارّية بسبب تسلّط المحتلّين عليه.

2 – العامل الاقتصادي: بسبب البيئة الجبلية لمعظم مناطق كُردستان، أصبح الاقتصاد الكُردستاني رَعَوياً في الغالب، إلى جانب الزراعة في الوديان والسهول الضيّقة، وصحيح أن هذا النمط الاقتصادي يوفّر الكفاية المطلوب للبقاء، لكنه لا ينتج فائضاً كافياً لنشأة سوق وطنية/قومية، ولظهور بورجوازية وطنية تدير تلك السوق، ولا يصبح بمفرده قاعدةً لخلْق رأسمالٍ وطني قومي. إن الرأسمال الوطني القومي شرط أساسيّ لتطوّر الأمّة اقتصادياً وثقافياً وسياسياً وعسكرياً، به تَعْبُر الأمّة إلى الفضاء الاقتصادي العالمي، وبه تجد لها مكاناً في الميادين السياسية والثقافية العالمية، وتتحوّل إلى قوة إقليمية وعالمية مؤثّرة (لاحظوا أن القوى الكبرى المعاصرة هي صاحبة أقوى الاقتصادات في العالم).

لقد عجز الاقتصاد الرَّعَوي الزراعي عن إنقاذ أسلافنا من الفقر، ومن توظيف فائض الأيدي العاملة في ميادين الإنتاج، والدليل أن بعض أسلافنا الجُوتيين والكاشيين كانوا ينحدرون من الجبال للعمل في مدن ميزوپوتاميا، وكان بعض أسلافنا الحوريين يذهبون للعمل في مدن سوريا الداخلية( [4]).

وهذه الظاهرة ما زالت موجودة بنُسب متفاوتة في كُردستان (باستثناء جنوبي كردستان حالياً). إن ما افتقر إليه أسلافنا هو الاقتصاد الصناعي والتجاري، فهذا النمط من الاقتصاد هو الذي يحقّق التحوّلات المهمّة في حياة الأمم. ونتيجةً للظروف الجغرافية والاحتلالات المستمرة، حُرم المجتمع الكُردي من بناء قاعدة صناعية وتجارية متطوّرة، وظل الاقتصاد الرَّعَوي الزراعي بدائياً، وإلى الآن إذا حَكَكْنا جلدَ الكردي فسنجد تحته فلاحاً أو راعياً، أو فلاحاً وراعياً معاً.

3 – العامل الثقافي: مظلّتان تحميان الشعوب من التشرذم، وتوحّدان صفوفها في الأزمات: المرجعية السياسية، والمرجعية الثقافية. وكانت بيئة كُردستان الجبلية، قبل القرن العشرين خاصة، من أبرز عوامل التشتّت الثقافي. وقد نجح ملوك ميديا العظام في تكوين أرضية صالحة للتجانس الثقافي في المجتمع الكُردي ضمن إطار مملكة ميديا، لكن سرعان ما سقطت المملكة في أيدي الفرس، ولم يقض الفرس على المرجعية السياسية الكُردستانية (الدولة) فقط، بل قضوا على المرجعية الدينية (أزدائي/مَزْدي) أيضاً، واختطفوا الزردشتية، مع أن زَرْدَشت ميدي، وأنتجوا نسخة زردشتية فارسية تخدم مشروعهم التوسعي، وفرضوها على الكُرد، وصار الشعب الكُردي يدور رغماً عنه في فلك تلك الأيديولوجيا، ويخدم المشروع الفارسي.
وبعد سقوط الإمبراطورية الساسانية، أصبح الكُرد تابعين رغماً عنهم لدولة الخلافة العربية، وفي ظل دولة الخلافة صارت المكانة العليا حَكْراً للثقافة العربية، وكان نصيب ثقافات الشعوب الأخرى هو التهميش والتفتيت، ووُظّفت قدرات النُّخَب المثقّفة لخدمة الثقافة العربية في جميع المجالات، وكانت النتيجة أن الشعب الكُردي دفع ثمناً باهظاً طوال 14 قرناً، وانشغل مثقّفو الكُرد بخدمة الثقافة العربية والفارسية والتركية، بدل الانشغال بتطوير الثقافة الكردستانية، وترسيخِ قاعدة معرفية يتأسّس عليها الوعي القومي. وأوضح دليل على ذلك أنه طوال 14 قرناً خدم كُردٌ قليلون الثقافةَ الكُردية، في حين نجد مئات المثقفين الكُرد الذين خدموا الثقافة العربية والفارسية والتركية.

ولم يكن العامل السياسي غائباً عن هذا المشهد الكُردي العام، إنه كان موجوداً في صميم كل واحد من العوامل السابقة الذكر (سنفرد له دراسة خاصة لاحقاً)، ونجم عن تفاعل هذه العوامل معاً تشّتتٌ كُردي شبه شامل: تشتّت ٌفي اللغة، وتشتّتٌ في الثقافة، وتشتّتٌ في العقائد، وتشتّتٌ في الاقتصاد. وكان من الطبيعي أن يؤدّي جميع ذلك إلى تشتّت في الرؤية والموقف، وإلى تشتّت وضعف في الوعي القومي، وهنا بالتحديد مشكلة المشاكل، والتي ينبغي أن نعيرها القدرَ الأكبر من الاهتمام.

ومهما يكن فلا بدّ من تحرير كُردستان!

1312_550299665130952_5173980235418044127_n 1 3 2

المراجع

[1] – جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 17.
[2] – ياكوب جوزيف: ما بعد الأقلّيات، ص 60 – 61.
[3] – أرنولد توينبي، ودايساكو إكيدا: التحدّيات الكبرى، ص 24.
[4] – جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكِّرة، ص 211. دياكونوڤ: ميديا، ص 116. توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة، ص 312.

26-12-2015

شاهد أيضاً

لماذا تستميت تركيا بمحاربة الكورد وتضغط على جميع الدول لعدم التدخل بالملف الكوردي وتلصق تهمة الإرهاب على كل كوردي يطالب بحقوقه ان كان في أو سورية أو ايران

لماذا تستميت تركيا بمحاربة الكورد وتضغط على جميع الدول لعدم التدخل بالملف الكوردي وتلصق تهمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *