2018/06/23 - 1:00 م

الذاكرة القومية

الذاكرة القومية:
الذاكرة القومية هي كلُّما خُزّن في الوعيالقومي الجَمْعي،خلال آلاف السنين، من ذكريات تشمل: الأحداث التاريخية، والشخصيات البارزة، والجغرافيا، والميثولوجيا، والدين، والمبادئ، والقِيم، والمواقف، والمعارف العامّة، والشعر، والحكايات، والحِكم، والأمثال، والموسيقى، والأغاني، والأزياء، والأسماء، والعادات.
والذاكرة القومية مهمّة لكل أمّة؛ لأنها تقومبوظيفتين أساسيّتين:
الأولى:إقامةُ الصلة الروحية بين الأجيال والأسلاف، فيشعر كلُّ فرد أنه ليس عشبة على صخرةçawîra li ser tehtê كما يقول المثل الكُردي، وإنما يشعر أنه ينتمي إلى أمّة عميقة الجذور في التاريخ، وذات أمجاد، وهذا الشعور يقوّي شخصيّتهالقومية، ويحصّنه من الاستسلام، ومن الوقوع في مصيدة الخيانة والانصهار.
الثانية:تحقيقُ التجانس الشعوري والفكري والقِيَمي بين أفراد الأمّة، وهذا التجانس قاعدةٌ صلبة لـلمشترَك القومي؛ نقصد القواسمالمشترَكة بين أفراد الأمّة، والتي بفضلهاتتقلّص الفوارق، وتقلّ التناقضات، ويتحقق أكبر قدر من التفاهم الوطني، وحينئذ تتشكّل الرؤية الواحدة، ويتحققالموقف الواحد، وخاصة في أوقات الخطر.
فالذاكرة القومية إذاًليست شيئاً ثانوياً، إنها من ضرورات وجود الأمّة، ومن ضرورات استمراريتها صامدةً في معركة (الصراع من أجل البقاء)، وإن تخريب الذاكرة القومية يعني تخريب الشخصية القومية، وتدمير الوعي القومي.
أساليب تفريغ الذاكرة القومية:
للمستعمرين في الشرق الأوسط عبقريةعجيبة في تفريغ ذاكرات الشعوب، وإعادةِ ملئها حسب المراد، إنهم متخصّصون في هذه الحِرفة الاستعمارية، وأساليبُهم كثيرة وماكرة متوحّشة. وكنا نحن الكُرد من أكثر الشعوب التي تعرّضت- وما زالت تتعرّض- لعملية تفريغ الذاكرة القومية.
وفي ربيع (1974) أدركت أولى حالات تفريغ الذاكرة القومية، حينذاك كنت معلّماً في المدرسة الابتدائية بقرية غُوز Xûzالكُردية في شمالي حَلب، وفي طريق عودتيكلَّ خميس إلى قريتي كُرْزَيل Kurzêl في منطقة عَفْرين، كنت أمرّ بمدينة حَلَب، وأدخل (المكتبة الوطنية)، وأطالع بعض الوقت.
وذات مرّة فوجئت بوجود كتاب “خلاصة تاريخ الكُرد وكُردستان”  للمرحوم محمد أمين زكي، وكم فرحت بذلك! فذاك أوّل كتاب في التاريخ الكُردي كنت أجده. وأسرعت إلى استعارته، وانكببت على قراءته. وفي الخميس التالي فعلت الأمر نفسه، وفي الخميس الثالث كانت المفاجأة؛ إذ قال لي موظّف الإعارة:
- الكتاب غير موجود.
- لكن استعرتُه الخميس الماضي، وأريد استكمال القراءة.
- صحيح، كان موجوداً، لكنه الآن غير موجود.
- كيف هو غير موجود؟! رجاءً يا أخي! حاول أن تجده.
- باختصار: الكتاب محظور.
عبارة “الكتاب محظور” صدمتني حقيقةً، وأثارت تساؤلات كثيرة كانت مقدّمةلصحوتي القومية، ولتصحيح مساري الفكري جملة وتفصيلاً. هذا فقط مثال، والأمثلة كثيرة جداً.وعموماً مارس المستعمِرون أربعةأساليب مدروسة لتفريغ ذاكرتنا القومية:
أولاً- التغييب:غيّب المستعمِرون كلَّ ما يذكّرنا بهويّتنا القومية، غيّبوا تاريخنا (كتابات، آثار)، فوصل معظم شعبنا إلى القرن الواحد والعشرين، وهم لا يعرفون شيئاً عن أسلافنا (سُوباري، إيلامي، جُوتي، لُوللو، كاشُّو، حُوري، مَننايي، خَالْدي، ميدي، كُردوخ)، وغيّبوا تراثنا الديني، فلا يعرف معظمنا شيئاً عن الأيزدائية والميثرائية وما قبلهما، وغيّبوا أسماء بعض الأماكن (جبال، سهول، قرى، مدن)، بل حاربوا لغتنا وحاولوا تغييبها، وحتى اسم (كُرد، وكُردستان) حاولوا طمسه.
ثانياً- التبشيع:هذا أسلوب آخر في منتهى المكر، فالفُرس شيطنوا ديننا الأَيزدائي القديم، واستمرّ ذلك في العهود الإسلامية، فأَطلقالمستعمِرون على الكُرد الأيزدي الذين احتفظوا ببقايا من الأَيزدائية اسمَ (عُبّاد الشيطان)، علماً بأنه لا وجود لهكذا كائن في الدين الأَيزدائي. وكرّهونا في أسمائنا الوطنية، وحبّبوا إلينا أسماءَهم، وجعلونا ننفر من تراثنا الديني القديم ومن أسلافنا ونعتبرهم (كفّاراً!)، وجعلونا نمجّد مَن غزانا واحتلّ وطننا، وسلب ونهب، واستعبد رجالنا، وسبى أطفالنا ونساءنا.
ثالثاً- التجريد:في تاريخنا إنجازاتٌ حضارية مهمّة منذ العصر الحجري الحديث، وعباقرةٌ غير قليلين، فنهب المستعمِرون تلك الإنجازات والشخصيات، وجرّدونا منها، ونسبوها إلى قومياتهم. نهب الفُرس منجزات الميد ونسبوها إلى أنفسهم. وفي العصر الحديث نسب مؤرّخوالاستعمار بواكيرَ الحضارة في وطننا إلى قومياتهم، فقالوا: “غرب إيران، شمال العراق،جنوب شرق تركيا، شمال سوريا”. مُوحين ضمناً بأن تلك الإنجازات كانت فارسيةوعربيةوتركية، لا كُردستانية.
رابعاً- التحقين:بعد تفريغ ذاكرتنا القومية، حرص المستعمِرون على حَقْنها وشَحْنها بما يريدون، من خلال الدين، والمناهج الدراسية، والإعلام. فاستفرَس واستترَك واستعرَب عددٌ غير قليل من الكُرد، وتجرّدوا من هويّتهم الكُردستانية. وإلا فكيف نفسّر خدمة الأسرة الصَّفَوية الكُردية للفرس؟ وكيف نفسّر خدمة الكُردي صالح السَّعْدي للبعثيين في العراق؟ وكيف نفسّر خدمة الكُردي عِصْمَتْ إينونو للطُّورانيين في تركيا؟والقائمة طويل؛ أجل، كيف نفسّر انمساخَهؤلاء وعداءَهم السافر للكُرد؟
كيف نستعيد ذاكرتنا القومية؟
صحيح أن المستعمِرين قطفوا، من خلال تفريغ ذاكرتنا، ثماراً لذيذة، وقطفنا ثماراً مُرّة (متخاذِلين، انتهازيين، خونة، ممسوخين). لكن مرحى لانتفاضاتنا وثوراتنا! مرحى لشهدائنا! مرحى لجدّاتنا وأجدادنا! مرحى لشعرائنا الشعبيين! مرحى لجبالنا! مرحى لنظامنا القَبَلي! بل مرحى لتخلّفنا أيضاً! هؤلاء حافظوا على بقايا من ذاكرتنا القومية، وأوصلونا إلى القرن العشرين ونحن ما زلنا كُرداً، ولولاهم لكنا انصهرنا تماماً.
يا شعبنا! إن مهمّتنا الأساسية الآن هي استعادة ذاكرتنا القومية، وإلا فإن وعينا القومي سيبقى ضعيفاً، وسنظل في حالة الهزيمة، وسنبقى شعباً مستعمَراً. ولاستعادة ذاكرتنا القوميةينبغي القيامبما يلي:
1. معرفةُ تاريخنا القومي من منظور علمي، بعيداً عن الخرافة والتضخيم والتزوير، إن شعباً لا يعرف تاريخه القومي لا يمكن أن يعرف هويته الحقيقية.
2. معرفةُ جغرافيا كُردستان الكبرى (جبال، سهول، أنهار، مدن، قرى)، وعلى كل كُردي أن يقتني خريطة كُردستان، ويعلّقها في بيته، ويتأمّلها بين حين وآخر.
3. معرفةُ لغتنا القومية، بأيّة لهجة كانت لا مشكلة، وحتى بالنطق فقط لا مشكلة،ويجب البدء بحملة كبرى لإيصال اللغة الكُردية إلى كل أسرة كُردية تَعرّبت أو تَفرّست أو تَترّكتأو تأَوْرَبت، لظروف قاهرة، ولو بضع كلمات أساسية كل مرّة.
4. معرفةُالميثولوجيا الكُردية، فالميثولوجيا جزء من ثقافة التكوين في تاريخ كل أمّة،وهي في جوهرها تعبير عن رؤية كل شعب إلى الكون، وتفسيره للوجود.
5. معرفةُ الأدب الكُردي (شعر، قصص، أمثال)الشعبي والفصيح، التراثي والحديث، إن روح الأمّة وشخصيتها كامنة إلى حدّ كبير في الأدب.
6. الاستماعُ إلى الموسيقى والأغاني الكُردية التراثية خاصّة، ألا ما أروعَ قيمَ الجمال والجلال في تراثنا الموسيقي! وما أعظمَ دورَها في بناء الشخصية القومية!
7. ارتداءُ الأزياء الوطنية، فالأزياء جزء من الثقافة القومية، وعلى الكُرد، حيثما كانوا، رجالاً ونساءً، اقتناء تلك الأزياء، وارتداؤها في بعض المناسبات على الأقل.
8. إحياءُ الأسماء الكُردية، وأطلاقها على أولادنا، وهذا لا يكفي، بل من الضروري إحلالُها محلّ الأسماء الدخيلة على تاريخنا وتراثنا في عهود الاحتلال.
يا شعبنا! المستعمِرون لم يحتلّوا وطننا فقط، وإنما احتلّوا ذاكرتنا أيضاً، وهذا هو الخطر الأكبر، إنّ شعباً بذاكرة مفرَّغة، أو بذاكرة مزوَّرة، أو بذاكرة ممسوخة، كيف يمكنه أن يكون أصيلاً؟ وكيف يمكنه إدراك هويّته الحقيقية؟ وكيف تبقى شخصيته القومية سليمة؟ وكيف يكون صاحب مشروع تحرّري وحضاري؟
إن استعادة ذاكرتنا القومية ضرورة وجودية، وهو واجب مقدَّس، إنه واجب على الأفراد، وعلى الآباء والأمّهات، وعلى المربّين، وعلى المثقفين والإعلاميين والفنّانين بكافّة تخصّصاتهم، وعلى القيادات الحزبية، وكم هو محزِنٌ ألاّ يركّز بعض مثقّفينا وإعلاميينا وقياداتنا الحزبية على هذه القضية الجوهرية!
29-12-2015
10650054_551296915031227_8100380158753990092_n
1465239_551296851697900_1854371190392812477_n