الرئيسية » مقالات الكتاب » ردنا على المدعو خالد الجاف الذي كان يتسائل في مقال قد تم النشر (هل للأكراد تاريخ فى شمال العراق !!)
هل للأكراد تاريخ فى شمال العراق؟ خالد الجاف
هل للأكراد تاريخ فى شمال العراق؟ خالد الجاف

ردنا على المدعو خالد الجاف الذي كان يتسائل في مقال قد تم النشر (هل للأكراد تاريخ فى شمال العراق !!)

ردنا على المدعو خالد الجاف
الذي كان يتسائل في مقال قد تم النشر
(هل للأكراد تاريخ فى شمال العراق !!)
وكان الأجدر به أن يسأل ماهو تاريخ الكورد الحقيقي واليك الجواب
والسؤال هنا هل سوف تقرأ أم أن أمة أقرأ لا تقرأ
بواكير الحضارة في كُردستان:

يتفق المؤرّخون على أن كُردستان من أبرز المناطق التي ظهرت فيها بواكير الحياة البشرية في العصر الحجري القديم (پاليوليثي Paleolithic منذ أقدم العصور إلى حدود الألف 10 ق.م)، ثمّ طوّر أسلافنا لوازم الحياة خلال العصر الحجري الوسيط (ميزوليثي Mesolithicبدءاً من حدود الألف 10 ق.م).
وفي العصر الحجري الحديث (نيوليثي Neolithic بدأ في حدود الألف 9 ق.م)، احترف أسلافُنا الزراعة، وانتقلوا من طَور (جمع القوت) إلى طَور (إنتاج القوت)، وكان هذا التحوّل ثورة ثقافية واجتماعية واقتصادية، لأنّ الاستقرار حلّ محلَّ الارتحال طلباً للقوت، وظهر المجتمعُ القَروي، ونما الشعور بالانتماء إلى الوطن، ونشأت المُلْكية الفردية، والمفاهيمُ الأولية للميثولوجيا، وعبادةُ الإلهة الأمّ وآلهة الخصوبة، ونشأ الإيمانُ بالبعث بعد الموت وبالخلود في العالَم الآخَر (
إن حضارة گُوزانا Guzana مثال بارز على عراقة الفكر الحضاري في كُردستان خلال العصر الحجري الحديث، إنها سُمّيت بهذا الاسم نسبةً إلى تلّ گُوزانا قرب مدينة Serȇ kaniyȇ (رأس العَين في غربي كُردستان)، وسُمّي بعد التعريب (تل حَلَف)، وانتشرت هذه الحضارة على شكل قوس من نهر الفرات إلى الزاب الكبير (الأعلى)، مع امتدادات لها في الأناضول، ويقع جزء كبير من الإقليم الجنوبي والشمالي والغربي
من كُردستان في صميم الجغرافيا التي نشأت فيها حضارة گُوزانا، واندثرت تلك الحضارة بين (4400 – 4300 ق. م. (

جذورنا الحضارية في سومر:

من جغرافيا حضارة گُوزانا في جنوبي كُردستان انحدر أسلافنا إلى جنوبي ميزوپوتاميا (العراق الحالي)، وعُرفوا باسم (سُومَري)، وما نقوله ليس ادّعاء، وإنما هو حقيقة تاريخية أكّدها معظم مؤرخي الحضارة السومرية
والحقيقة أن إبداعات السومريين الحضارية لم تأت من لاشيء، وإنما كانوا يحملون معهم جينات ثقافة وحضارة گُوزانا، وحينما استقرّوا في سهول ميزوپوتاميا تفاعلت تلك الجينات مع الظروف البيئية الجديدة، وأنتجت على الصعيد السياسي نظام دولة- المدينة، وفي ظله ازدهر الفكر السومري الحضاري، وأثّرت الحضارة السومرية في مختلف مناطق الشرق الأوسط، وتركت آثاراً عميقة في تراث شعوب المنطقة؛ بما فيه الشعب المصري المعروف بعراقة حضارته
إشكال وإضاءات:

لعلّ قائلاً يقول: ما الدليل الجغرافي والتاريخي والمنطقي على أن الزاغروسيين القدماء، والآريين الذين اندمجوا بهم، هم الأسلاف الحقيقيون للأمّة الكُردية؟

لتوضيح ملابسات هذا الإشكال نقدّم الإضاءات الآتية:

الإضاءة الأولى: إنّ ظهور فجر الحضارة في الجغرافيا التي سُمّيت (كُردستان) أمرٌ مؤكَّد عند جميع الباحثين الذين تناولوا تاريخ غرب آسيا القديم، وأكّدوا أن السومريين الذي أقاموا صرح أوّل حضارة في جنوب ميزوپوتاميا (جنوب العراق) جاؤوا في الأصل من جبال جنوب كُردستان(4)، وأكّدوا أيضاً أن الأقوام الذين عُرفوا بـأسماء: لُوللو، وگُوتي، وسُوباري، وكاشُّو، وحُوري (مِيتّاني)، ومانناي، وخَلْدي (أورارتو)، وميدي (ماد)، عاشوا أيضاً في تلك الجغرافيا التي عُرفت بعدئذ باسم (كُردستان).

ولم يذكر المؤرخون أيّة معلومة حول انقراض هؤلاء الأقوام، وبقاء البلاد التي كانوا يقيمون فيها (كُردستان بعدئذ) فارغةً بلا سكّان، ويكفينا دليلاً على ذلك أخبارُ الثورات التي كانت تشتعل فيها ضدّ ملوك الفرس الأَخمين، والأحداثُ التي جرت فيها طوال العهد السُّلوقي والبارثي (الأشگاني) والساساني؛ كالصراعات التي دارت بين البارثيين والسلوقيين، وبين البارثيين والرومان، ثم بين الرومان والأرمن، ثم بين الساسانيين والبيزنطيين، ثم بين الساسانيين والعرب المسلمين(5).

وبعد هجرة الميد في أواخر الألف (2 ق.م) إلى كُردستان، ثمّ هجرة السكيث Scythians إليها في الألف (1 ق.م)(6)، لم يذكر المؤرخون أيّة معلومة عن أيّة هجرات كبرى، قام بها شعبٌ ما إلى كُردستان، وظلّ الأمر كذلك في العهد الأخميني والسلوقي والبارثي والساساني، وفي العهد الأرمني خلال حكم الملك دِيگْران الكبير (توفّي 55/54 ق.م)، وكان هؤلاء جميعاً يتصارعون للسيطرة على كُردستان، ولم يقوموا بهجرات كبرى إليها. وبتعبير آخر: كان هؤلاء مجرّد جاليات حاكمة، وانحصر وجودهم في حدود ضيقة، كما هو الأمر في كل بلد يخضع لسيطرة حكام أجانب.

الإضاءة الثانية:
حوالي منتصف القرن (7 م) سيطر العرب المسلمون على كُردستان، وأزاحوا النفوذ الساساني، وكانوا يستعينون في الغالب بولاة من الكُرد لتسيير الأمور الإدارية.
وفي عام (429 هـ = 1037 م) تعرّضت كُردستان لغزو التركمان الغُز (أُوغُوز)، ثم غزاها التركمان السلاجقة عام (478 هـ = 1086 م)، ثم غزاها التركمان الخُوارِزْميون بين عامي (625 – 628 هـ)، ثم غزاها المغول حوالي عام (655 هـ)(7)، ثم غزاها التَّتَر بقيادة تِيمُورلَنْگ بين عامي (796 – 805 هـ)(8)، ثم غزاها العثمانيون والصَّفَويون، منذ حوالي عامي (1506 م)، وفي عام (1639 م) تقاسمت الدولتان كُردستان فيما بينهما بموجب (معاهدة تنظيم الحدود)(9).

كان هؤلاء الوافدون جميعاً غزاة عابرين، ولم يقيموا في كُردستان بشكل دائم، وأقصى ما فعلته دولة الخلافة العربية هو توطين بعض القبائل العربية البدوية في مناطق سهلية على تخوم جنوب ووسط وغرب كُردستان. أمّا السلاجقة والعثمانيون فزرعوا جاليات تركمانية على الطرق والمواقع الإستراتيجية في مناطق من كُردستان، ليستعينوا بها في إحكام سيطرتهم على البلاد، وإن تركمان كركوك وتركمان تل أَعْفَر وتركمان إقليم غرب كردستان أبرز مثال على ذلك.

الإضاءة الثالثة:
طوال تلك العهود ذُكرت الغالبية العظمى من سكان كُردستان باسم (كُرد/أكراد)، وليس بأيّ اسم آخر؛ وسُمّيت مناطق كُردستان بأسمائها،

وقد أوردنا أدلّة عدّة على ذلك في كتاب (تاريخ الكُرد في العهود الإسلامية)، وذكرنا بعضها في حلقات سلسلة (دراسات في التاريخ الكردي القديم) التي ننشرها، ونكتفي هنا بذكر أربعة أدلة:

1 – دليل من جنوب كُردستان:

ضمن أحداث عام (23 ه= 643/644 م) في خلافة عمر بن الخَطّاب، قال المؤرّخان ابن جَرير الطَّبَري وعزّ الدين ابن الأثير تحت عنوان “خَبَر بَيْروذ من الأهواز”: ” اجتمع ببَيْرُوذ جمعٌ عظيم من الأكراد وغيرهم”(10)، وقد كلّف الخليفة عمر القائدَ أبا موسى الأَشْعَري بالقضاء على أولئك الكُرد ومن معهم من الفرس.
وجدير بالذكر أن (بَيْروذ) هو اللفظ العربي لاسم (پِيرُوز)، وأن الأهواز هي (خُوزِسْتان)، وهي تقع في أقصى جنوب كُردستان، وكان اسمها القديم (عيلام= إيلام)، وبعد الفتح العربي استوطنتها قبائل عربية، ويسمّيها العرب الآن (عربستان).

2 – دليل من شمال كُردستان:

في عام (24 هـ = 644 م)، أثناء خلافة عثمان بن عَفّان، كان سكان جنوب القوقاز بمن فيهم الكُرد والأرمن قد ثاروا على السلطات العربية، فكُلّف القائد العربي عِياضُ بن غَنْم بإخماد تلك الثورات، وإعادة فرض السلطة العربية، وكان القائد حَبيب بن مَسْلَمَة الفِهْري يعمل تحت إمرة عِياض بن غَنْم، فدخل أرمينيا حسبما ذكر البَلاذُري، ” وأتى أَزْدَساط [في رواية ياقوت الحَمَوي: أَرْدَشاط]، وهي قرية القِرْمِز، وأجاز نهر الأكراد، ونزل مرج دَبِيل”(11).

ومن المحال أن يكون هناك نهر باسم “نهر الأكراد” من غير أن يكون للكُرد وجود كثيف، وتسمّى تلك المنطقة في المصادر العربية (أَرّان)، قال ياقوت الحَمَوي: ” أَرّان اسم أعجمي لولاية واسعة وبلاد كثيرة، منها جَنْزَة، وهي التي تسمّيها العامة كَنْجَة، وبَرْذَعَة، وشَمْكور، وبَيْلَقان”(12). وتلك المناطق الكُردستانية على تخوم القوقاز موزَّعة الآن بين أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، وأقام الكُرد في جزء منها جمهورية كُردستان الحمراء بين (1923 – 1929 م)، وكانت تتمتّع بالحكم الذاتي.
وكُرد تلك المنطقة هم أحفاد الحوريين والميديين والكُرْدُوخ، وقد ذكر الفيلسوف والمؤرخ اليوناني إكسنوفون (زينوفون) Xenophon الكردوخ؛ حينما روى رحلة عودة المرتزقة اليونان العشرة آلاف بقيادته من ميزوپوتاميا خلال (401- 400 ق.م)، وتوجّههم شمالاً نحو البحر الأسود، مخترقين جبال كُردستان، ووصف المقاومة الشرسة التي لقيها هو وأتباعه من قِبل الكردوخ(13).
4 – دليل كُردستاني شامل:

قال الجغرافي أحمد بن يحيى بن فضل الله العُمَري في كتابه (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)، بشأن (جبال الأكراد):” هي الجبال الحاجزة بين ديار العرب وديار العجم، وابتداؤها جبالُ هَمَذان وشَهْزُور، وانتهاؤها صَياصي [= قِلاع]، الكَفَرة من بلاد التَّكْفور، وهي مملكة سِيس”(15). وأورد القَلْقَشَنْدي في كتابه (صُبح الأعشى في كتابة الإنشاء) ما ذكره العُمَري بحذافيره(16).

وجدير بالذكر أن (بلاد التكفور/مملكة سِيس) تسمّى (مملكة أرمينيا الصغرى)، و(مملكة كيليكيا) أيضاً، وقد أقامها الأرمن في كيليكيا خلال القرن (12 م)، منتهزين ضعفَ مملكة الروم، والغزوَ الفرنجي (الصليبي) لشرقي المتوسط، وهي متاخمة من ناحية الشمال للواء إسكندرون ومنطقة عفرين (انظر الشكل- 2، 3)، وهذا يعني أن جبال الكُرد- حسب قول العُمَري- كانت تمتد من شَهْرَزور (منطقة سليمانية) في جنوب كُردستان، وتمرّ بشمال كُردستان، وتصل إلى منطقة عفرين في أقصى غرب كُردستان.
الإضاءة الرابعة:
خلال العهود الإسلامية- من القرن (9 م) إلى منتصف القرن (19 م)- تأسّس عدد من الحكومات في كُردستان، وكانت حكومات كُردية قادةً ورعيّة، نذكر منها: الحكومة الرَّواديـّة في أذربيجان (230 – 618 هـ)، والحكومة الحَسْنَوَيْهية في هَمَذان (330 – 405 هـ)، والحكومة الدُّوسْتِكية (المَروانية) في كُردستان الوسطى (350 – 478 هـ)، والحكومة العَنازِيّة في حُلْوان (380 – 446 هـ)، والحكومة اللُّورية الكبرى في لُورِسْتان (550 – 827 هـ)، والحكومة اللُّورية الصغرى في لُورستان (570 – 1250 هـ)، والحكومة الأَرْدِلانية في جنوب كُردستان (617 – 1284 هـ)، وإمارة بَدْليس (قضى عليها العثمانيون عام 1836 م) في شمال كُردستان، وإمارة بابان في جنوب كُردستان (قضى عليها العثمانيون عام 1850 م)، وإمارة الهكّارية في كُردستان الوسطى (قضى عليها العثمانيون عام 1845 م).

والسؤال الذي يفرض نفسه هو:

بما أن بلاد أسلاف الكُرد لم تكن خالية قطُّ منذ سقوط مملكة ميديا عام (550 ق.م)، ولم تصبح عرضة لهجرات كبرى، ولم يقم فيها الغزاة والفاتحون بشكل يغيّر طابعها الديموغرافي الأصلي، وظلّت معروفة إلى حدّ كبير بسكّانها الكُرد وبأسمائها الكُردستانية، وقامت فيها حكومات كُردية بقادتها ورعيّتها، ولم نقرأ في التاريخ أن أناساً هبطوا على كُردستان من كوكب آخر، أو انبثقوا من الأرض، إذاً من هو الشعب الذي أقام- وما يزال يقيم- في كُردستان؟ هل هناك تفسير جغرافي وتاريخي ومنطقي سوى أن الكُرد الحاليين هم أحفاد أولئك الأسلاف القدماء؟
جذورنا الحضارية في التراث الديني:

إذا حلّلنا التراث الميثولوجي والديني الشرق أوسطي من منظور واقعي، ووضعناه في سياقه التاريخي والمنطقي، بعيداً عن رمزية الخُرافة والأسطورة، وجدناه يؤكّد أن كُردستان كانت مهداً للحضارة في غربي آسيا، وإن حادثُ الطوفان أبرز دليل، فقد جاء في الرواية السومرية أن سفينة زِيُوسُودْرا Ziusudra (أُوتْناپِيشْتِم Utnapishtim في الرواية البابلية) استقرّت على جبل نِيسِير Nisir، وهو جبل پِيرَه مَگْرُونPîre megrun قرب سُليمانية في جنوبي كُردستان، وهناك اختبر زِيُوسُودْرا انحسار المياه؛ فأطلق حمامة فعادت، ثم أطلق سنونو فعاد أيضاً، ثم أطلق غراباً، فرأى الغراب أن المياه انحسرت، فحطّ وأكل ولم يَعُد
وجاء في العهد القديم (سِفْر التَّكوين، أصْحاح 8) أن سفينة النبي نُوح (بالكُردية: Noh= جديد، بديع) استقرت على جبل آرارات، في أقصى شمالي كُردستان، ويسمّيه الكُرد (آگِري) Agirî. وجاء في القرآن أنّ سفينة النبي نُوح استقرّت على جبل جُودي ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [سورة هُود، آية 44]، ويقع جُودي قرب (جزيرة بُوتان) في كُردستان المركزية. وبالمقارنة بين موقع جبل نِيسِير وجبل آرارات وجبل جُودي من جهة، وجغرافيا حضارة گُوزانا من جهة، يتضح أن جبل نِيسير يقع في جزئها الشرقي، ويقع جبل آرارات في حافتها الشمالية، ويقع جبل جُودي في صميمها.
إن قصة الطوفان نشأت في بلاد سومر، وهي سرد رمزي لفيضانات دجلة والفرات، لكنها تضخّمت في التصوّر الميثولوجي والديني، وليس الآن مجال البحث في تاريخيتها، وإنما ما يهمّنا هو أنها رمز إلى مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، حدثت فيها انطلاقةٌ حضارية من نوع أكثر تقدّماً، وهذا بالتحديد ما تقوله الوثائق بشأن نشأة بواكير الحضارة في جغرافيا كُردستان عامّة، وفي جغرافيا حضارة گُوزانا خاصّة.
هذا هو عُمقنا الجيوسياسي في التاريخ!

مراحل تاريخنا السياسي:
المرحلة الأولى:
أقام أسلافنا السومريون أقدمَ نظام سياسي لدول- المدن في الشرق الأوسط، وربما في العالم أجمع، بدءاً من الألف (3 ق.م)، إنهم سبقوا اليونان في هذا المجال بأكثر من ألفَي عام، وتؤكّد المصادر التاريخية أنهم انحدروا إلى جنوبي ميزوپوتاميا من جبال جنوبي كُردستان، وأنهم في الأصل خرّيجو حضارة گُوزاناGuzana التي ازدهرت في كُردستان بين (5000 – 4300 ق.م.
وأسّس أسلافنا العيلاميون (إيلامي)، في أقصى جنوبي وطننا، مملكة منذ أوائل الألف (3 ق.م)، وبسطوا نفوذهم على أجزاء من الخليج السومري (يسمّى: الفارسي/العربي)، وظلّوا قوة سياسية مهمّة في غربي آسيا لا أقلّ من ألف (1500) عام، وخاضوا الصراع ضد الأكاديين والبابليين، إلى أن أنهكهم الآشوريون، ثم غزاهم الفرس واحتلوا بلادهم حوالي القرن (7 ق.م

وأقام أسلافنا الگُوتيون (جوتي/جودي) مملكة في الجزء الأوسط من جبال زاغروس، وتصدّوا للغزاة الأكاديين، ثم غزوهم في عُقر دارهم، وأسقطوا مملكة أكّاد سنة (2230 ق.م) حسب أرجح الروايات، ودام الحكم الگُوتي في سومر وأَكاد (91) عاماً، وفي الألف (1 ق.م) صار اسم (گُوتي) يطلق على معظم أسلافنا الزاغروسيين.

المرحلة الثانية:
في القرن (18 ق.م) أسّس أسلافنا الكاشيون مملكة في لُرِّستان (لُورِستان) شمالي إيلام، وتصدّوا لغزوات البابليين بقيادة الملك گانْداش (جانداش) Gandash بين (1741 – 1726 ق.م)، ثم سيطروا على مملكة بابل حوالي سنة (1590 ق.م)، وحكموها مع بلاد سومر حتى سنة ( 1157 ق.م.
وفي وقت معاصر للكاشيين ظهر أسلافنا الحوريون (هُوري)، وأسّسوا ممالك امتدت من كركوك إلى البحر الأبيض المتوسط، ثم ظهر من بينهم الميتانيون، وأسّسوا مملكة قوية بسطت نفوذها على معظم أجزاء كُردستان، وبلغوا ذروة قوتهم في القرن (14 ق.م)، واتخذوا مدينة آشوكاني (واشُوكاني) Washukani قرب مدينة Serȇ kaniyȇ في غربي كردستان عاصمة لهم، وحاربوا الآشوريين والحِثّيين والمصريين، ثم غزاهم الحِثّيون وقضى الآشوريون على مملكتهم حوالي سنة (1275 ق.م.
المرحلة الثالثة:
بينما كانت مملكة ميتاني الحورية تتهاوى، ظهر أحفادهم خالْدي )خالْتي) Halitu-in في القسم الشمالي من جبال زاغروس (موطن الحوريين الأساسي)، وتسمّى أُورارْتُو (أَرارات)، والآن (أرمينيا)، وسمّاهم الآشوريون (نائيري) Nairi ، وأسّسوا ممالك متنافسة، ثم وحّدها الملك ساردور (سَرْدار) في مملكة قوية، وتصدّى للغزو الآشوري، وفي النهاية قضى عليها الآشوريون في القرن (7 ق.م.
المرحلة الرابعة:
إن قضاء الفرس على مملكة ميديا وجّه ضربة قاضية إلى تاريخنا السياسي، وردّاً على محاولة الزعيم الميدي گُوماتا للإطاحة بالاحتلال الفارسي، وإحياء مملكة ميديا، أصدر الملك الفارسي الثاني قَمْبَيز (كَمْبُوجِيا)، وصيته لقادة الفرس قُبيل وفاته سنة (522 ق.م)، قائلاً:
“فلزامٌ عليّ أن أبيّن لكم- وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة- ما أرغب إليكم القيام به، فباسم الآلهة التي تحرس أسرتنا الملكية آمرُكم- وخاصةً الأخمينيين منكم الحاضرين هنا- ألاّ تَدَعوا الميديين يستردّون السلطة”. وهدّد الفرسَ بأن لعنته ستحلّ بهم إذا سمحوا للميد بإقامة مملكة ميديا ثانية
ونتيجة لهذا الإصرار الفارسي على منع قيام مملكة كُردستانية، بقي أسلافنا بلا دولة جامعة طوال ألف عام، وإن ما أقاموه من إمارات وممالك صغيرة في بعض أجزاء كُردستان، كانت محدودة القدرة، وتدور قليلاً أو كثيراً في فلك الممالك المجاورة الأقوى، ثمّ أُلحقوا بدولة الخلافة العربية الإسلامية، نتيجةً لسقوط الدولة الساسانية في مواجهة العرب سنة (635 م)، إثر مقتل الملك الساساني يَزْدَجِرْد الثالث.
وحينما ضعفت دولة الخلافة العربية منذ القرن (11 م)، وأصبحت السلطة السياسية في أيدي البُوَيْهِيين (يُعَدّون فرساً، والأرجح أنهم كُرد دَيْلَم/زازا)، ثم في أيدي السلاجقة التركمان، دبّت الحياة من جديد في الذهن السياسي الكُردستاني، وأقام بعض الكُرد إمارات ودولاً ذات حكم ذاتي بين القرنين (9 – 13م)، منها الدولة الرَّوادية، والسالارية، والشدّادية، في أذربيجان ومناطق القوقاز، والدولة العَنازية في جنوبي كُردستان، والدولة الدُّوسْتِكية في شمالي كُردستان، والسلطنة الأيوبية في مصر، وحكمت غربي كُردستان وأجزاءَ كبيرة من جنوب وشمالي كُردستان، وظلت بعض الإمارات الكُردية قائمة في كُردستان، إلى أن قضى العثمانيون على آخرها (الإمارة الهَكّارية في كُردستان الوسطى) سنة (1845 م)
إرْثنا السياسي ودلالاته:
نحن إذن لسنا أمّة بلا هويّة سياسية، وإنما أقام أسلافنا الممالك منذ أوائل الألف (3 ق.م) وبشكل متواصل حتى سنة (550 ق.م)، أي طوال (2500) سنة، وكان لثلاثة فروع منهم (گُوتي، حُوري، ميدي) الدورَ الأكثر أهمية في تكويننا القومي الشامل. وفي المراحل اللاحقة أقام أسلافنا كيانات سياسية صغيرة وكبيرة كلما سنحت لهم الفرصة، وكان قادة الفرس والترك أكثر من ألحق بنا الأذى سياسياً، وهدّموا دولنا وإماراتنا دونما هَوادة، وحالوا حتى اليوم دون قيامها.

ترقب الجزء الثاني من المقال والذي يتناول فيه تاريخ العرب والشعوب الأخرى في المنطقة
سردار رامان

 

 

 

هل للأكراد تاريخ فى شمال العراق؟ خالد الجاف
هل للأكراد تاريخ فى شمال العراق؟ خالد الجاف

 

 

شاهد أيضاً

ﺍﻹﻧﻔﺼﺎﻝ .. ﻭﻭﺭﻗﺔ ﺍﻟﺘﻮﺕ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ” . 

ﺍﻹﻧﻔﺼﺎﻝ .. ﻭﻭﺭﻗﺔ ﺍﻟﺘﻮﺕ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ” .  ﻛﺜﺮﺕ ﻓﻲ ﺍﻵﻭﻧﺔ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﺍﻟﺴﺠﺎﻻﺕ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻼﺕ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *