مقالات الكتاب

بقلم ياسر شعباني: “سوريا العلوية – الفرصة الضائعة “

بقلم الكاتب السوري ياسر شعباني

توقفت الحافلة قادمة من مدينة العين على يمين الطريق وتوجهت مباشرة للضفة الأخرى حيث الشارع المؤدي لها وبما أنني لا أعرف المكان فلا بد من السؤال.

أول ما اصطدمت عيناي به ذلك المبنى الضخم (المتوحش) الذي يطل على كل شيء ومن كل زاوية وتتجسد فيه كل رموز وعناصر (القوة الصلبة Hard Power) إنه مبنى السفارة الأمريكية.

كان حرس السفارة الأردنية من (المغاربة واليمنيين) بالمرصاد لي فأشاروا إلى آخر الشارع المقابل حيث أشجار متشابكة يقبع تحتها مبنى على أقل تقدير وأكثره كأني بأحد بيوت جبال بهراء وتنوخ ومصياف والقدموس سريعاً ‘غريزتي السورية’ أجابت عن تساؤلي : إنه مبنى السفارة السورية في أبوظبي.

ظهرت على مسرح التاريخ البشري والسياسي شخصيات حملت معها طبائع خاصة بها Personal Traits

ولحجم قدرة التأثير تطبعت وتماهت شخصيات المجتمعات والدول التي حكمتها وأدارتها تلك الشخصيات حتى إنك في أحيان كثيرة حين تريد الحديث عنها فتختصر تلك الدولة والمجتمع بشخصية الحاكم.

أتاتورك وصلاح الدين والقذافي والحسن الثاني وإسماعيل الصفوي ومُحمد.

انهارت الدولة العثمانية فكانت مجموعة من الضباط يقودهم مصطفى كمال أتاتورك الغامض الصامت الغاضب المتحرك الهادئ حتى في أزيائه بدأ الأتراك بتقليده بل إن كل من خرج فيما من مصطلح الضباط الأحرار في العراق وسوريا ومصر كلهم تأثروا وانبهروا بذلك العسكري الأنيق الغامض.

لا يتمحور عالم الرجال حول نقاط كثيرة أو متنوعة فهو مربوط عضوياً بالوظيفة البيولوجية وبالتركيبة النفسية التي تتمثل في الاندفاع والحرب والقتال والسطوة والصراع والطموح.

الطموح الذي خلق الجغرافيا السياسية لا يستمر ولا يدوم من دون الاستراتيجيات (فن قيادة وإدارة الموارد وفق هدف وإمكانيات) فهي وحدها من تقوم دول في حال توفرها وديمومتها على أساسها وتنهار أخرى – صدام حسين مثالاً .

بعد أن استوطن عرب شبه الجزيرة إيران توقفت إيران الفارسية عن العمل وبدأت إيران العربية. بعد إقصاء عليّ وبنيه وتراجيديا كربلاء احتضن ‘إيرانيو’ الدولة العميقة في الدولة العربية الإسلامية فريق الشهداء من تراجيديا كربلاء فتمثلت الفرصة التاريخية نحو إيران الإسلامية حاملة سردية سلمان ومُحمد وتأثير سلمان النفسي والذهني والتخيُلي لدى مُحمد خاصة في مرحلة بناء الوحي.

بعد خروج إيران الفارسية عن التأثير فارسياً في المحيط الجديد كان لابُد من الدفع نحو عتبة جديدة ثقافياً فأتت إيران الإسلامية عبر فقهاء الدين ورواة الحديث معبرين عن تفرد الشخصية والعقلية من أبي حنيفة إلى الجاحظ.

ترك انهيار الدولة العباسية فراغاً عميقاً في خطوط الجغرافيا التي نسج خيوط تلك الدولة ومعها عالم تفسير القرآن وعالم صناعة الحديث-الإيرانيون أنفسهم. إلا أن هرولة الجماعة البشرية الجديدة من سهوب وسط آسيا الممتلئة حيوية و’جهاداً’ (التُرك) قد أزاح الإيرانيين عن المشهد لكن ‘دون انقطاع’ فكان نظام المُلك (الفارسي الشافعي) مُنظر مدارس الفقه الأربعة  في دمشق وحلب والموصل والإسكندرية وزيراً لأطغرل السلجوقي التركي وابنه من بعده.

مع الشاه إسماعيل الصفوي استعادة إيران تفردها وأيقن نساجو سجاد تبريز وأصفهان أنه لا بديل عن الانكفاء على الذات لخلق وعي الذات بالذات فتبنى إسماعيل هذه المرة فريق شهداء تراجيدياً كربلاء (عقيدة) فخلق مُناخاً غنياً منفرداً متفرداً لوحده وبوحده مبتعداً عن محيط ديموغرافي متناقض معه.

ما علاقة كل ذلك بما أريد القول ؟

بالعودة نحو مبنى السفارة وكوني لا أعاني من مرض الصدمة الحضارية  Culture Shock

إذ أعلم تماماً ووفق ‘غريزتي السورية’ أن الكثيرين سيتساءلون عن مدى أهمية المكان في حديثي هذا إلا أن المكان دوماً ما يتطبع بطباع المؤثرين فيه ومُفردة (التأثير) أصبحت تستخدم حتى في عصر الجيل الرابع وسيزيد استخدامها في عصر الجيل الخامس وتُطلق على جماعة من الناس يملكون ملايين من متابعين ومشاهدات والسؤال لماذا وإلى متى !؟

ملايين من الناس عبر الكرة الأرضية خلال ساعات ستحي طقساً وشعائر قيل لها : أن مُحمد فعل ذلك وأين هو مُحمد هل نراه ويرانا ؟!

نجح معاوية إلى حدٍ كبير وتحالف مع سُريان الكنيسة وعيّن مستشاريه منهم (يذكرنا الأمر بـ جبران كورية وإسكندر لوقا وجورج جبور ) إلا أن عُنف صراع العائلتين في صفين ومن بعده تراجيديا كربلاء أجهض ذلك كله .

تبعثرت كثيراً غايات الشخصية السورية السياسية من الثورة الشعبية والصراع مع إسرائيل والحرب على الدينية السياسية والسلام مع إسرائيل ومقاومة إسرائيل وبحارٌ خمسة ومقاطعة أوروبا والتوجه نحو آسيا ولم تترك مجالاً زمنياً للانكفاء على الذات وتلمس معالم الذات السورية ومعرفة خباياها المسيحية العلوية والإسماعيلية والدرزية وآخراً وليس أخيرا الكردية واليهودية.

ماذا لو صنعنا شخصية متفردة وهي متفردة بالفعل كـ حكاية “مُحمد عائشة” الملاح السوري المنعزل مع سفينة على بُعد أمتار من شاطئ مصري و لأربعة سنوات؟ لستُ بحاجة لموكب مومياوات لأعلن تفردي .

بعثٌ ووحدةٌ وتحول من وطن لعائلة لم تطوب نفسها ملكية

بعثٌ ووحدةٌ مع كل من هو ليس بيننا وبين هو جغرافيا مشتركة أو جغرافيا مشتركة لكن دون إدراك مكاني أنا وخصائصه وخصوصياته .

نجح إسماعيل الصفوي في التدرج من إيران الصفوية إلى إيران الإيرانية بتفردها وانفرادها. لكن مهما كان وما سيكون ستبقى ‘جبالنا’ وأشجارها التي (احترقت أو أُحرقت) وستزول معالم ‘التوحش’ وقبل الختام عليّ القول : أنني أحببت ذلك المبنى لـ ‘تفرده’ عن كل شيء محيط به .


الكاتب السوري ياسر شعباني

المقالة تعبر فقط عن رأي وفكر الكاتب

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى