آراءسياسة

المشهد الدولي في ظل إدارة بايدن

بقلم الكاتب السوري زياد محمد

ملف يعرض رؤية وكالة روماف في محاولة لاستقراء مستقبل العلاقات الدولية في المنطقة والعالم

الجزء الأول

يبدو أن العالم يتجه إلى مزيد من الانزلاق نحو الصراعات فمع وصول جو بايدن إلى سدة البيت الأبيض شرع بالتحرر من الوعود الانتخابية التي قطعها في مواجهة خصمه دونالد ترامب، ويبدو الرجل ماض باتجاه تنفيذ سياسات وأجندات الدولة العميقة في الولايات المتحدة ففي خطابه أمام موظفي وزارة الخارجية أعلن بايدن العديد من ملامح سياسته الخارجية، متراجعاً عن بعض قرارات سلفه دونالد ترامب في قضايا الهجرة والمناخ وسحب القوات الأمريكية من ألمانيا، بدا بايدن أكثر وضوحاً في مهاجمة روسيا والصين.

فقد شرع الرئيس الأميركي الـ ٤٦ بتعويم كل من روسيا والصين بوصفهما أبرز عدوين للولايات المتحدة الأمريكية، ويبدو أن هذا القرار سوف يكون نقطة الارتكاز المحوري في السياسة الخارجية الأمريكية في عهد بايدن والمتابع لمسار السياسة الأمريكية يمكنه تلمس شروع الولايات المتحدة بتحضير المسرح الدولي للاشتباك مع كل من الدولتين. وربما قررت أميركا إنهاء معاركها الجانبية للتفرغ الصراع القادم.

خطوتين إلى الوراء في الملف الإيراني

فاليوم تبدو إدارة بايدن مهتمة أكثر بتبريد الجبهات العسكرية والسياسية المشتعلة في مناطق عدة من العالم لاسيما الشرق الأوسط فقد أرسلت إشارتين مهمتين باتجاه إيران الأولى تمثلت بالدعوة لاستئناف التفاوض حول الملف النووي الإيراني وفق شروط أمريكية ومحاولات لربط التفاوض بملفات أخرى ترفض إيران إقحامها في المباحثات النووية لاسيما القدرات الصاروخية والبالستية لإيران إضافة إلى ملفات أخرى كالعراق وسوريا اليمن وتصر إيران من جانبها على رفع كامل العقوبات الأمريكية كمقدمة لأي تفاوض مع واشنطن.

والمبادرة الثانية كانت بقرار الإدارة الأمريكية شطب منظمة أنصار الله (الحوثيون) عن لائحة المنظمات الإرهابية وإعلان وقف تزويد المملكة السعودية بالأسلحة الهجومية التي تستخدمها في حربها على اليمن وتأكيد أميركا على سعيها الجاد لإنهاء الحرب في اليمن.

كل هذه الإشارات تفضي إلى الاستنتاج بوجود نية حقيقية لدى واشنطن للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران وربما تريد إدارة بايدن تحييد إيران على الأقل من خانة أعداء أميركا في منطقة الشرق الأوسط.

في الشأن الروسي تبدو الإدارة الأمريكية ماضية باتجاه إنعاش الاشتباك التاريخي مع روسيا ذات القوة المتنامية والحاضرة في مختلف ملفات السياسة العالمية الراهنة ولاسيما صراعات العشرية الأخيرة من (سوريا إلى القرم والقوقاز وليبيا)

وعليه فقد شرعت واشنطن بانتهاج خطاب أكثر احتراما للأوروبيين بعد خطابات الازدراء التي وسمت فترة ترامب  بهدف إعادة لم شمل حلف شمال الأطلسي الذي تأسس على قاعدة مواجهة الاتحاد السوفيتي سابقاً وكذلك إعادة أحياء مناورات الحلف والتأكيد على مشاركة الدول ذات الخلافات البينية في هذه المناورات كـ (تركيا واليونان وفرنسا) عبر مناورة “ديناميك مانتا ” نهاية شهر شباط الماضي واختيار منطقة شرق المتوسط وتحت عنوان “الحماية من الغواصات” يبدو أن المقصود تحديداً من تلك المناورة هي روسيا والقدرات العسكرية الروسية المنتشرة في البحر المتوسط والأسود.

كذلك فإن تسخين ملفي القرم والدونباس يفهم كخطوة جدية من قبل الغرب لإعادة إحياء العداوة التاريخية مع روسيا لاسيما من خلال إثارة مخاوف دول أوربا الشرقية حول الخطر الروسي المحتمل والسعي لتعبئة قدرات تلك الدول تحضيراً لأي صراع محتمل قد ينشأ مستقبلاً.

واشنطن في ظل إدارة بايدن لا تفوت فرصة لتأكيد دعمها الثابت لكييف وأوكرانيا الساعية بشكل حثيث للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي تبدو كذلك أكثر إصراراً على استفزاز موسكو وقد كشف وزير الدفاع الأوكراني أندريه تارن أن قواته المسلحة ستشارك في ٧ مناورات مع حلف الناتو لهذا العام مؤكداً أن هذه المناورات هي محرك مهم بالنسبة لسعي بلاده لنيل عضوية الحلف، هذا الانضمام تعتبره موسكو خطأ أحمر لا تساهل فيه وقد أعلنت أنها حركت أكثر من ١٠قطع بحرية من بينها سفن إنزال باتجاه البحر الأسود لتعزيز تواجدها وإرسال رسائل واضحة إلى الرؤوس الحامية في كييف والناتو، وصرح نائب رئيس لجنة الأمن بمجلس الأمن الروسي بأن الأسطول والقوات الروسية جاهزة لردع أي عدوان من جانب واشنطن أو كييف.

بالنسبة إلى الصين، يبدو أن الاشتباك الأميركي الصيني آخذ كذلك في الترسخ أكثر فأكثر.

ففي بحر الصين الجنوبي تنذر التحرشات غير الآمنة بين القطع البحرية الأميركية ونظيرتها الصينية بتطور الوضع باتجاه الأسوأ وكذلك فإن الصين تبدو أكثر قلقاً وحذراً من التدخلات الأمريكية في تحريض دول حوض البحر الصيني للاعتراض الرسمي على الصين أمام مؤسسات الأمم المتحدة على خلفية قيام الصين ببناء مجموعة الجزر الاصطناعية ومحاولة فرض ملكيتها أو أحقيتها في المياه الاقتصادية الخالصة لمساحة واسعة من بحر الصين الجنوبي. وأيضا فإن واشنطن جادة من جهتها للضغط على بكين في ملف حقوق الإنسان وفي قضية هونغ كونغ وفي ملفي الأيغور والحكم في ميانمار.

ومن جانبها الصين تبدو متأهبة لتلقف هذا التصعيد الأمريكي والرد عليه كما ينبغي فإضافة إلى الاستعدادات الصينية الهائلة في مجال الصناعات العسكرية كماً ونوعاً لمواجهة  التهديدات الأمريكية المتزايدة في محيطها، فإن الصين شرعت ببناء تحالفات استراتيجية ولعل الاتفاقية الاستراتيجية التي تم توقيعها خلال آذار الماضي بين الصين وإيران لمدة ٢٥عام والتي تأتي ضمن مشروع الحزام والطريق الذي تقيمه الصين والاتفاقية تأتي للتأكيد على دور إيران الهام في هذا المشروع العظيم، لكن القراءة الأولية للاتفاقية في الزمان والمكان تصنف في خانة التحدي والتصعيد تجاه واشنطن وينظر لها كثغرة وخرق مهم  في جدار العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وكذلك فإن بكين لا تنفك تعلن عن سعيها لحماية الاتفاق النووي الإيراني والدفاع عن حقوق إيران النووية المشروعة.

في ملفات الشرق الأوسط مازالت الثوابت التي تحكم السياسة الأمريكية والغربية هي ذاتها دون أي تغيير يذكر فالنفط وأمن إسرائيل هما المحددان الرئيسان لتلك السياسة في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا السياق فإن الإدارة الأمريكية للديمقراطيين  تبدو أكثر ميلاً واستعداداً للتفاهم مع إيران التي تعتبرها تهديد حقيقي لأمن إسرائيل من جهة وكذلك تهديداً لإمدادات النفط العالمي من جهة ثانية ولذلك فإدارة بايدن أقرب لتبني فكر الجناح الداعي لفتح حوار مع إيران بما يضمن إبقاء أنشطة إيران النووية تحت الرقابة لمنعها من امتلاك سلاح نووي، وكذلك يرى بأن حوار واتفاق مع طهران من شأنه أن يضمن سلامة وأمن النفط في المنطقة العربية وفي منطقة المضائق لاسيما هرمز الذي تشرف عليه إيران بشكل مباشر وباب المندب الذي تشرف عليه بالوكالة عن طريق حلفائها الحوثيين وربما يكون هذا السبب وراء سعي واشنطن لإنهاء حرب اليمن وضمان أمن الملاحة في منطقة باب المندب.

من جهة مقابلة فإن إسرائيل التي تستشعر قرب الاتفاق مع طهران من جانب الغرب ماضية في تعزيز حضورها في المنطقة العربية عبر اتفاقيات التطبيع الموقعة مؤخراً مع الدول العربية التي تشاطرها حالة العداء لإيران من خلال اتفاقيات وتنسيق يشمل مختلف الجوانب العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية.

في مصر يبدو المشهد كذلك مرجح نحو مزيد من التصعيد مع إثيوبيا على خلفية قيام الأخيرة بعملية ملء سد النهضة الذي تنظر له كل من مصر والسودان على أنه انتهاك للحقوق المائية وتقود مصر في هذا الاتجاه جبهة الضغط على إثيوبيا التي تحاول التفلت من التزاماتها من خلال جر الأطراف إلى مفاوضات تستهلك الوقت ولا تفض إلى أية نتائج عملية بالتوازي مع فرض وقائع على الأرض في ملف السد، الأمر الذي بدأ ينذر بقرع طبول الحرب بين أثيوبيا من جهة وكل من مصر والسودان من جهة أخرى.

يتبع……….

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى