مقالات الكتاب

بقلم الكاتب ياسر شعباني: سوريا العائلية السياسية والميليشيا

شكلت حرب أيلول الأسود ١٩٧٠ مفترق طرق بارز وعميق في جسم الدولة والمجتمع الأردنيين وأكثر التوصيفات دقة لما جرى هي’ حربٌ  أهلية’ فلقد رسمت الحرب صورة الأردن وطنياً و شعبياً في السنوات اللاحقة لكن تبقى أكثر النتائج استثناءً هو عدم الانهيار العمودي في بنية الدولة والمجتمع إذ تكشف حقيقة مركزية التحالف بين القصر الملكي و الأرستقراطية المدينية الفلسطينية الجناح والتي أعلنت بكل وضوح أنها إلى جانب الملك منعزلة عن الشتات الفلسطيني ‘الفقير’ في المخيمات ذلك الذي ساهم مباشرة في تقديم اللازم للفدائيين الثائرين اجتماعياً والمهمشين في وجه تحالف القصر والأرستقراطية الفلسطينية فعلى إثر تلك المواجهة المصيرية اقترن الملك حسين بـ علياء طوقان المنتمية لتلك الأرستقراطية فيكون قد امتص الغضب والصدمة بهذا الزواج السياسي.

في رده على سؤال معد ومقدم برنامج مختلف عليه الصحفي إبراهيم عيسى يقول الباحث والكاتب فراس السواح : عظمة سوريا الطبيعية هي في نظرية ” ممالك المدن City States حيث تغيب مظاهر المركزية الإدارية والاستبداد الشمولي على عكس بلاد ما بين النهرين ووادي النيل حتى في طبيعة الديانات التي تدور حول آلهة متعددة لا حاكم يكون نصفه بشري ونصفه الآخر إله .

المجتمع السوري تاريخياً يُسير أموره وفق هذا العرف الاجتماعي ويدير شؤونه حتى عندما كان جزءاً من الدولة العثمانية بل حتى في فترتها تضخمت و تجذرت سطوة مناطقية إقطاعية مدينية وريفية سهلية وفق تشكيل المدن الأربع : حلب – حمص – حماة – دمشق الواقعة جميعها في امتداد جغرافي من الشمال إلى الجنوب وغرب الفرات – فُرات ما قبل النفط والغاز والقطن والقمح و المياه .

لعبت هذه البيروقراطية العائلية دور جهاز الحكم والإدارة مستندة إلى ثنائية امتلاك الأراضي وامتلاك مقاليد الإفتاء والقضاء. مساحات كبيرة قد منحها السلطان العثماني هبات ومكافآت على جهود في قمع وضبط ومعارك للبعض (كثير من هذه العائلات تحمل ألقابا و أسماء رتب عسكرية وإدارية عثمانية) .

صمد تحالف العائلية السياسية المديني في المدن الأربع إلى أول انقلاب عسكري في ١٩٤٩ (قادته مجموعة من ضباط أرستقراطيين مدينيين أكراد) شكل الانقلاب صدمة كبيرة في بنيان التحالف المديني فهو لم يعتد على العسكرة كجهاز ومؤسسة، إن هذا التحالف الإقطاعي السُني (العربي الكردي التركماني الشركسي) هو من كان يقدم خدمات عسكرية جليلة للباب العالي في إسطنبول مقابل هبات وألقاب دون الحاجة لسطوة مباشرة من العسكر.

زاد الخطاب النخبوي المديني من عنفه تجاه المؤسسة العسكرية إلى أن وصلنا ل ١٩٥٨ تاريخ الوحدة السورية المصرية التي حملت عسكريين تركيبتهم الفكرية والمعرفية كولونيالية بريطانية إلا أنهم في النهاية عسكريون مصريون ريفيون تحالفوا مع عسكريين سوريين مدينيين، سقط المشروع سريعاً مع اشتداد صعود الشيوعية والاشتراكية والتحرر الوطني والبعث السوري الريفي (الجبلي) .

أدرك البعثيون الجدد ضرورة الانفتاح والحوار مع المدينة – لا ثورة دون ريف ولا دولة دون مدينة – فبدأ تشبيك علاقات مع جسم عائلي مديني دمشقي وحلبي وحمصي ومع عائلات جزراوية وأخرى في دير الزور وحوران وإدلب.

حتى نجح بعث الـ ٧٠ في استلام كافة مقاليد السلطة كاملة، فضمن ‘المنبر’ ممثلاً بدار الإفتاء .

مع منتصف الثمانينات ترسخت شبكة العائلية السياسية انطلاقاً من العائلة الحاكمة التي تجاوزت الطائفة طويلاً بعد تشبيك عائلي داخلي مع ‘أقوياء الطائفة’ فكان المشهد كالآتي:

دوائر وحلقات مركزها العائلة الريفية الجبلية والدوائر الأخرى مدينية ومن نتائجه قانون الاستثمار رقم ١٠ .

مع الزواج السياسي في جمهورية الـ ٢٠٠٠ الذي أرخى بظلاله على الواقع وشجع الكثيرين تصدر المشهد

م. رامي مخلوف بملامحه الأرستقراطية وبدأت عائلية مدينية جديدة (ماكينة صنع المال وضخه) في حلب ودمشق وحمص واللاذقية.

لا يمكن بأي حال من الأحوال النجاح والاستمرار دون دوائر خلفية داعمة في عراق صدام حسين القائم على الأسرة والعشيرة وتكريت وكثيراً من العروبة وقليلاً من المذهب، توقع البعض أو كثيرون له بالقدرة على الثبات والاستمرارية لكن سقط كل شيء. وفي مصر مبارك القائم على الأسرة والحزب ورجال الأعمال سقط مدوياً غير متوقع إذ تبيّن وتأكد أن كلمة السر هي المؤسسة العسكرية.

أما في سوريا – تشبيك التحالف الذي عُمل على صياغته ونسجه طويلاً وعميقاً جداً على ما يبدو أنه صمد وإن اهتز عنيفاً جداً “العصبية أساس الحكم” ابن خلدون .

تُمثل حالة النائب السابق في مجلس الشعب ف. الش – ثلاثية العائلية السياسية المدينية الحلبية بامتياز فهو ثالث ثلاثة فهو قريب الجنرال الراحل ح.الش وقريب رجل الدين ع. الش – ونحن أمام ثلاثية المال والدين والعسكر .

جمهورية أيار القادم ستكون قد أنهت واقعاً وبشكل حاسم التحالف العائلي السياسي ولتُدشن مفهوم ‘المليشيا’

بداية الحسم كانت في رمضان ٢٠٢٠ وحرب الفيس بوك.

 المليشيا مفهوم بالتأكيد لا يمت من أي اتجاه وزاوية انطلاق إلى أي صورة مجتمعية فهو علاقات متبادلة يعيدنا إلى المربع الأول عندما منح الولاة العثمانيون هبات لمن قاتل معارك وحروب وواجه عصيانات وتمردات ضد الدولة العثمانية – هبات مقابل خدمات .

لمن يسأل ويتساءل كيف لي أن أطرح هذه النقلية بهذا التراتب والتوازي، فأجيب : أنا ابن مدينة المدينة .

الكاتب السوري : ياسر شعباني

المقالة تعبر عن فكر ورأي الكاتب

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى