سياسةمقالات الكتاب

المشهد الدولي في ظل إدارة بايدن

بقلم الكاتب السوري زياد محمد

ملف يعرض رؤية وكالة روماف في محاولة لاستقراء مستقبل العلاقات الدولية في المنطقة والعالم

الجزء الثاني

روسيا وتركيا الشراكة اللدودة

نظرة سريعة على تاريخ العلاقات الروسية التركية تبين أن التنافس والصراع والمواجهة العسكرية كانت أبرز سمات هذه العلاقة.

منذ بروز روسيا القيصرية كقوة عالمية قبل قرون أنصب سعيها على كسر الحصار الذي يفرضه الشتاء القاسي ويعطل موانئها الشمالية لأشهر عديدة في كل عام وشكل الوصول إلى المياه الدافئة وتحديداً البحر الأسود والبحر المتوسط خشبة الخلاص للشعب الروسي وبدأ الأمر يترسخ في الوجدان الروسي كحلم وهدف لابد من تحقيقه كشرط لنهوض روسيا ودوام بقائها كقوة عالمية.

وفي سبيل تحقيق هذا الحلم خاضت روسيا 15حرباً على مدى ثلاثة قرون مع الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكم سيطرتها على البحرين الأسود والمتوسط، فازت روسيا في أغلب هذه الحروب وخسرت في بعضها.

أولى هذه الحروب كانت بين عامي ١٦٧٦_١٦٨١ م فشلت فيها روسيا في السيطرة على شبه جزيرة القرم وأعادت المحاولة مراراً حتى تمكنت الإمبراطورة كاترين الثانية بعد حرب استمرت ٦سنوات من هزيمة القوات العثمانية وضم القرم وإرغام السلطنة العثمانية على توقيع معاهدة ”كوجك كاينارجي“ عام ١٧٧٤ أقرت فيها السلطنة باستقلال القرم عن تركيا وكذلك بحق روسيا بالاحتفاظ بأسطول بحري دائم في البحر الأسود والذي كان حتى ذلك التاريخ بحيرة عثمانية مغلقة ليس لأي دولة حقوق فيه .

سقوط القرم بيد روسيا كان البداية الدراماتيكية لسقوط الإمبراطورية العثمانية وبعد القرم بدأت تتقلص حدود الإمبراطورية العثمانية التي خسرت الساحل الشمالي للبحر الأسود لصالح روسيا ومن ثم الساحل الغربي حتى وصلت القوات الروسية إلى مدينة أدرنة (الحدود اليونانية التركية)، ولعل سقوط القرم برمزيته التاريخية يعادل سقوط جدار برلين في التاريخ المعاصر.

مع سقوط الخلافة العثمانية وتولي كمال أتاتورك الحكم الذي ألغى السلطنة في عام ١٩٢٣ وأعلن الجمهورية وتم إحلال نظام علماني والشروع بسلخ تركيا عن تاريخها المشرقي لصالح إلحاقها بالغرب الأوروبي بدأت تركيا تلعب دوراً أكثر تماهياً مع السياسات الغربية المناهضة للمد الشيوعي آنذاك لكنه دور سيأخذ أشكالها أكثر وضوحاً بعد الحرب الثانية حيث برزت مطالب الاتحاد السوفيتي بقواعد عسكرية في المضائق التركية ما دفع الولايات المتحدة إلى إعلان مبدأ ترومان عام ١٩٤٧ الوارد في عقيدة النوايا الأمريكية لضمان أمن تركيا واليونان وأسفر ذلك عن تدخل واسع النطاق للجيش الأميركي إضافة إلى دعم كبير لتركيا .

وفي مواجهة المد الشيوعي انضمت تركيا لحلف الناتو عام ١٩٥٢ وأصبحت حصناً منيعاً وقاعدة متقدمة للمعسكر الغربي ضد التوسع السوفيتي باتجاه مياه البحر المتوسط.

في التاريخ الحديث بدأ الدفء يسري في علاقات البلدين مطلع الألفية الثالثة مع وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حكم روسيا وكذلك نجاح حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة رجب طيب أردوغان بالوصول إلى حكم تركيا والذي ابتدأ عهده بسياسة انفتاح على كل دول الجوار تحت شعار ”صفر مشاكل“ لمهندس الحزب ومنظره داوود أوغلو، الشعار الذي طالما روّج له حزب أردوغان كنافذة تسويقة لتركيا على دول الجوار.

ومع انتهاج الطرفين الروسي والتركي سياسة خارجية مرنة بدأ التحسن في العلاقات وتعزيز أواصر التعاون والشراكة بين البلدين، ورغم بعض العثرات والمطبات في علاقة البلدين كإسقاط الطائرة الروسية واغتيال السفير الروسي في تركيا وكذلك موقف تركيا الرافض لضم القرم، إلا أن العلاقات استمرت وكانت المحطة الفارقة فيها عقب محاولة  الانقلاب الفاشلة على أردوغان عام ٢٠١٦ التي أحدثت شرخاً عميقاً في علاقات تركيا مع أميركا على خلفية تسريبات بدعم أميركي للانقلابين وتسريبات موازية بوقوف المخابرات الروسية وراء كشف الانقلاب والمساعدة في إحباطه، هذه الفترة اتسمت بغزل متبادل بين قيادتي البلدين وفي حين ظن البعض أن العلاقات الروسية التركية ماضية في مسارها التصاعدي بدأت تظهر إلى السطح خلافات حادة وجوهرية بين البلدين وأخذت العلاقة تنحو باتجاه البرود والشكوك المتبادلة منذرة باحتمال انجراف هذه العلاقة باتجاه الاستقطاب والصدام وربما المواجهة المباشرة.

فما هي أهم نقاط الالتقاء والاختلاف بين البلدين وما هو مصير تلك العلاقات؟

أهم الملفات الخلافية.

* في سورية

يقف البلدان على طرفي نقيض فتركيا الساعية إلى قضم الشمال السوري وتقويض سلطة دمشق دعماً للجمعات الموالية لها تصطدم بالموقف الروسي المطالب بانسحاب الجماعات الإرهابية والأسلحة الثقيلة وفتح المعابر الدولية بموجب تفاهمات سوتشي وأستانة وهذا يجعل القابلية متاحة دائماً لصدامات غير مباشرة بين البلدين على الأرض السورية، كذلك فإن لكل من روسيا وتركيا مواقف مختلفة ومتعارضة من المسألة الكردية في شمال وشمال شرق سوريا وفي حين تراهم موسكو جزءاً لا يتجزأ من النسيج السوري وترغب برؤيتهم يلعبون دوراً أكبر في مستقبل البلاد تصنفهم أنقرة جماعة إرهابية وقد تمكَّنت أنقرة وموسكو من تجنُّب المشاكل بشأن هذه المسألة ومع ذلك، إذا شنَّت تركيا عملية جديدة واسعة النطاق ضد الأكراد في شمال سوريا، فسيؤدي ذلك حتماً إلى تشكيل الأكراد تحالفاً مع الحكومة السورية، وهو ما تشجعه موسكو وقد يؤدي ذلك إلى صدام مباشر بين دمشق وأنقرة في شمال سوريا، مع كل العواقب السلبية التي قد تترتب على العلاقات الروسية-التركية.

* التدخل التركي في ليبيا

في ليبيا تتضارب أيضاً مصالح البلدين، وقفت تركيا إلى جانب حكومة الوفاق ضد قوات المشير حفتر المدعوم من موسكو وأدت المواجهات بين مرتزقة الطرفين إلى سقوط قتلى في أكثر من معركة وقد حال التدخل التركي دون سيطرة حفتر على العاصمة طرابلس وحسم الصراع لصالحه.

*  الدعم التركي الكبير لأذربيجان ضد أرمينيا في القوقاز

لدى روسيا علاقات ودية مع كلٍّ من أرمينيا وأذربيجان، بيد أن شراكتها مع يريفان تحمل صفة أكثر تقدماً، تتجلى في حقيقة أن كلا البلدين عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي ولروسيا قواعد عسكرية في أرمينيا، أما تركيا تقف إلى جانب أذربيجان، وليس لها أي علاقات مع أرمينيا. وفي حين كانت جميع جهود روسيا تستهدف التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة من خلال المفاوضات ومنع تصاعد العنف، فإن تركيا، ذهبت لاستعراض قوتها العسكرية فأرسلت وحداتها العسكرية إلى منطقة “ناخيتشيفان” الأذربيجانية، وساعدت بشكل مباشر في هزيمة القوات الأرمينية.

الدَعْم التركي لجورجيا وخاصة في المجالات العسكرية إضافة إلى تأييد وتشجيع تركيا انضمام جورجيا إلى حلف الناتو لا يروق لموسكو وتعتبره خط أحمر .

* الموقف التركي من الخلاف الروسي الأوكراني

لطالما كانت لدى روسيا وتركيا وجهتي نظر مختلفة جوهرياً حول أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، لاسيما منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في مارس 2014. فأنقرة لا تعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، ولن تتنازل عن مطالبة روسيا بدور “الحامي” لتتار القرم. كذلك فقد انحازت تركيا إلى الجانب الأوكراني بشكل معلن في ملف الصراع المحتدم حالياً في الدونباس شرق أوكرانيا وتشير التقارير الإعلامية والاستخبارية إلى مشاركة القوات التركية في الصراع إلى جانب القوات الأوكرانية ضد الانفصاليين المدعومين من موسكو في إقليمي دونيتسك ولوغانيسك وهذا أمر تبدو موسكو متشددة حياله ولا تتساهل بشأنه كما تضمنت التصريحات الروسية التي وصلت حد التهديد.

* الإسلام السياسي والطموحات القومية لـ أردوغان

يعتقد الكثيرون في روسيا أن تركيا تتحرك أكثر فأكثر بعيداً عن مبادئ العلمانية، مما يعني أن ترويج أنقرة للوحدة التركية يمكن أن يحدث اختراق تركي في المناطق ذات الأغلبية المسلمة والمتحدثة بالتركية في شمال القوقاز ومنطقة الفولغا. وقد تفاقمت هذه المخاوف بسبب الزيادة الملحوظة في توظيف الإسلام السياسي في سياسات أردوغان وسيشكل هذا تحدياً مباشراً لأمن روسيا القومي.

غالبية هذه الملفات الخلافية تعتبرها موسكو تحديات حقيقية وتنظر لها من منطلق الأمن القومي لروسيا وتراها لعباً في فنائها الخلفي، ولكن السؤال الهام: ما لذي يجعل روسيا ملتزمة إلى هذا الحد بسياسة احتواء التصعيد مع أنقرة رغم كل الاستفزازات والتدخلات السافرة للأخيرة في المجال الحيوي لروسيا؟؟؟ وما الذي تراهن عليه موسكو من هذه العلاقة الشائكة مع تركيا؟

على الأرجح، فإن موسكو تدير كل هذه التناقضات مع تركيا وعينها على أميركا والناتو وتراهن على مواصلة إبعاد أنقرة بأهميتها الاستراتيجية عن الغرب وواشنطن تحديداً، وتحييد خطر ودور تركيا في أي خطط مستقبلية غربية لمحاصرة روسيا. وعلى الرغم من أن هذا ليس أمراً مؤكداً في مثل هذا النمط المعقد من العلاقات، يبدو أن موسكو ما زالت تراهن عليه. كما أن هناك مصالح اقتصادية ضخمة وتبادلاً تجارياً مهماً بين البلدين. والأهم طريق الغاز الروسي عبر الأراضي التركية (السيل التركي) الذي تم تدشينه العام الماضي بقدرة تصل إلى ٣١.٥ مليار متر مكعب وسوف يغذي دول شرق ووسط أوروبا من الغاز إضافة إلى استكمال صفقة صواريخ إس-٤٠٠ التي شكلت خرقاً للمعسكر الغربي وصفعة قوية لواشنطن كما تراها روسيا. وربما يقدم هذا الاحتمال تفسير للحياد الذي مارسه روسيا في الخلاف الناشئ بين تركيا واليونان على غاز شرق المتوسط حيث تطور الخلاف إلى حد صدامات لقطع عسكرية في البحر بين أطراف من حلف الناتو تراه موسكو مكسباً استراتيجي مهماً في سعيها لخلخلة هذا الحلف وتقويضه من الداخل.

ومن المتوقع أن تستمر هذه الشراكة اللدودة بين روسيا وتركيا تحت عناوين التنافس وإدارة التناقضات وتسجيل النقاط في ظل التحولات الجيوسياسية التي يرى العديد من المتابعين أنها لا تسير لصالح الغرب وأمريكا تحت حكم الرئيس بايدن.

Rumaf – وجه الحق -20-04-2021

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى