مقالات الكتاب

بقلم الكاتب ياسر شعباني : الوحش البارد

الكاتب السوري ياسر شعباني

يُصنف استخدام القوة في مجال العلاقات الدولية إلى ثلاثة :

القوة الصلبة Hard Power

القوة الناعمة  Soft Power

القوة الذكية Smart Power

تُعد الأخيرة الأحدث على مسرح صناعة القرار السياسي ومن أمثلتها سيطرة الأنغلو – ساكسون Anglo-Saxons على قمة هرم استخدام اللغات الحية العالمية ممثلة بالإنكليزية.

أما التي قبلها فهي اصطلاح كثيراً ما يُستخدم في أدبيات الصحافة والتحليل السياسي ومن صورها :

الدراما والرياضة – كـ ‘ فرض’ الدراما التركية على الشاشة الصغيرة أما الرياضة فهي متابعة ٢ مليار من الناس لما يُسمى بالكلاسيكو بين ريال مدريد و برشلونة وكلاهما إسباني .

أما الأخيرة الأولى فهي ما تم اعتباره أمراً تقليدياً وعادياً ومن نوافلها إدارة الدولة لعلاقاتها الخارجية ووضع التصورات السياسية موضع التنفيذ عبر استخدام القوة الواضح والمبرر وتُعتبر الولايات المتحدة أكثر دول العالم استخداماً لها وروسيا كذلك.

روسيا – يطلق على المساحة التي تشغلها في علم نظريات الجغرافيا السياسية (جزيرة العالم) لكونها تَشغل أكبر مساحة برية على مستوى الكرة الأرضية يعيش فيها واحد من أكثر المجتمعات البشرية تنوعاً على كافة المستويات والجوانب بدءاً من ‘المؤمنين البوذيين’ وانتهاءً ‘باللا مؤمنين’ .

روسيا هي ثاني مكانين في العالم يمتلك تصنيفاً قارياً خاص به ما يطلق عليه آوراسيا اختصارا لوجود المكان في قارتي آسيا و أوروبا ، يشكل القسم الآسيوي المساحة الأكبر والأغنى بالموارد الطبيعية وبالعنصر البشري (التركي) إثنياً أما القسم الأوروبي فهو الأصغر والأفقر بموارده الطبيعية وبالعنصر البشري المتناقص ديموغرافيا نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة لكنه المُطل في طرفه الجنوبي الغربي على أحد المسطحات المائية الدافئة ‘ حُلم الروس’ تاريخياً وهو البحر الأسود .

وجود الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين منح دَفعة كبيرة لحالمين ومغامرين روس كثيرين ليمنحوا آرائهم وعقائدهم السياسية مجالاً للتطبيق وأهمهم ‘ ألكسندر دوغين ‘ الفيلسوف الكاهن المحارب. المقربين منه يطلقون عليه ‘دماغ بوتين’

ويُقال أن مكتبه في الكرملين بجانب مكتب بوتين .

مارس الاتحاد السوفيتي القوة الصلبة ومن مفارقات الأمور أنها المرة الأولى والوحيدة والأخيرة بعد العالمية الثانية قبيل سقوطه في أفغانستان ومارستها روسيا في الشيشان ما قبل بوتين . وحين نضجت الظروف الموضوعية لاستخدام القوة الصلبة مارسها بوتين في جورجيا بعد عام واحد من مواجهة تموز بين حزب الله وحلفائه وإسرائيل وحلفائها، كانت عودة القوة الصلبة لروسيا أو عودة روسيا للقوة الصلبة فأعلن فلاديمير بوتين عن نفسه محارباً على ذات الأرض التي منحت الروس عقيدتهم المسيحية الأرثوذكسية – جورجيا .

لن أخوض في تحليل دور الوجود الروسي في سوريا أو في مناطق أخرى لأنه ليس المجال له ولن أذهب بعيداً في تناول عقلية دوغين صاحب نظرية البعد الرابع 4PT Fourth Political Theory المبنية أساساً على تفعيل دور روسيا أوراسياً وحيث يعتبر أن الطرف الثاني المُكمل لضمان نجاح هذه النظرية هو تركيا. يُقال أن دوغين كان في تركيا ليلة محاولة انقلاب ‘المزعومة ‘ في ١٥-٧ -٢٠١٥ ولن أخوض كثيراً في استحضار دوغين للصين وإيران وسوريا في تفاصيل نظريته المسؤولة جغرافيا وبالتفاصيل عن رسم مشهد الدور الروسي عالمياً لساكن الكرملين إنما سأتحدث قليلاً عن عودة القوة الصلبة بكل فظاظة ووضوح دموي عنيف ونتائجها المؤلمة الماثلة أمامنا دون أية مجمّلات. كثيرون يعيدون القوة الصلبة الروسية ل طبيعة وسيكولوجيا الشخصية الروسية

‘ لست من غير المؤمنين ‘ باستخدام القوة الصلبة الضرورية في محطات كثيرة لكن؟ أتكون القوة الضاربة هي الوسيلة الوحيدة في التعبير عن مصالح الدول ألا يطرح تساؤلاً موضوعياً عن مدى مصداقية القوى الخمسة الدائمة في مجلس الأمن من بينها الصين وروسيا في حماية القانون الدولي، الذي اقتنع أن حمايته لن تكون بغير القوة الخشنة ربما للأسف وربما لا .

مقاربتي هذه ليس نقداً للسياسية الروسية بقدر ماهي محاولة من ساكن أحد بقاع العالم توتراً وعنفاً وموتاً لقراءة السياسية الخارجية لإحدى أقوى دول العالم. التي تشكلت عندها أولى ملامح دولة يهودية والتي قدمت للعالم الشيوعية تطبيقاً وتنظيراً عبر لينين وتروتسكي اليهودي العالمي منُظر الدولة السوفيتية والدولة والمجتمع الذي منح إسرائيل قوامها الديموغرافي كما منحها قياداتها التاريخية .

كل ما يقدمه الإعلام الروسي لنا حالياً عبر منصاته هو عظمة السلاح الروسي وقدرته التدميرية …. أخشى أننا سننسى ديستوفيسكي وتشيخوف وغوركي وبحيرة البجع .


 

المقالة تعبر فقط عن رأي وفكر الكاتب

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى