سياسةمقالات الكتاب

بقلم ياسر شعباني: ( سوريا التركية )

بقلم الكاتب السوري ياسر شعباني:  سوريا التركية

في الشارع الخلفي لمنتزه السبيل في حي السبيل الفرنسي العمارة أحد أعرق وأقدم المربعات السكنية الراقية الذي تقطنه المدينية الحلبية البرجوازية الأرستقراطية يمتد شارع طويل مريح جميل على أحد زواياه اليمينية يوجد مبنى القنصلية الأمريكية المهجورة إنه شارع ‘كامل باشا القدسي’ الجنرال العربي في الجيش العثماني وأخر قائد لأخر حملة عثمانية على اليمن.

قبل سنتين من الآن تواترت أنباء في إسطنبول على مستويات ضيقة عن محاولات روسية لإقناع دمشق بقبول الإخوان المسلمين في الهيكلية السياسية الحكومية السورية وترافق ذلك مع حجم الضغوط الاقتصادية والأمنية المفروضة على دمشق هي لإرغامها على قبول الصفقة كان ذلك على هامش حوار هادئ تم بين قيادات في الحرس الثوري الإيراني مع الإخوان في إسطنبول وكل ذلك كان قبل الإعلان عن ما يسمى قانون قيصر.

بالعودة عقد ٌ من الزمان إلى الوراء

توازى عرض المسلسلات التركية المُدبلجة باللهجة السورية والممولة ماليا إنتاجياً سعودياً مع انفتاح سوري رسمي غير مسبوق على تركيا وصل في ذروته إلغاء تأشيرة الدخول بين الطرفين حينها كنت تشاهد قوافل الحافلات التركية في شوارع مدينة حلب يتجول مسافروها في أسواق المدينة القديمة والجديدة .

من نافل القول – أن العلاقات السورية التركية اجتماعياً وتجارياً هي وشائج أكثر منها علاقات طبيعية بين بلدين متجاورين لكن قليلون من يتحدثون عن الجانب الثقافي الديني البالغ العمق المتجذر خاصة مدينية المدن الأربع ( حلب حماة حمص دمشق ) .

* الحديث عن سرقة الأتراك لمعامل حلب كلام غير دقيق كون المواد الأولية فيما يخص الصناعة النسيجية تركية وإن كان هناك من سرقة فهو نتيجة تحالف حدودي عائلي على جانبي الحدود *

في ٢٠١٧ كنت قد التقيت مع أحد ما يُسمى بمديري مراكز الأبحاث والدراسات السورية التي انتشرت في فترة ما كما يخرج الفطر على السطح وخلال حوار دار لساعات مع الرجل الحلبي الإخواني أكثر ما توقفت عنده ومازلت ما قاله لي الرجل عن قِدم وعمق التواصل مع الأتراك الذي يمتد لعام ٢٠٠٧، هنا كان لا حراك ولا انتفاضة ولا ثورة ولا معارضة قد ظهر وتبلور بعد وفي مُناخ ودي وحميم بين دمشق وأنقرة .

تعود تركيبة وتاريخية (الوشائج) الاجتماعية الدينية السورية – التركية لمرحلة زمنية بدأت مع الزنكيين وانتهت مع العثمانيين – مقالات قادمة ستتناول القصة تفصيلاً.

في أحد جوانب تلك القصة

مع انطلاق الثورة السورية الكبرى كان للشمال الغربي السوري دور بارز وكبير فيها متمثلاً بقائدها الكاريزمي إبراهيم هنانو يومها تقاطعت مصالح هنانو – أتاتورك ضد الفرنسيين فقدم أتاتورك المال والسلاح مقابل شرط واحد : أن يتم رفع العلم التركي على بنادق ثوار هنانو تحت شعار ” إنما المؤمنون أخوة ” وفي حينها سمح أتاتورك لمنشورات لينين الشيوعية أن تطأ حلب نكاية بالفرنسيين (في وسط ميدان تقسيم الشهير تمثال لرجالات لينين الشيوعيين السوفييت تخليداً لمساعدتهم في قيام جمهورية أتاتورك العتيدة) أو مظاهرات مؤيدة لأتاتورك في جهاده ضد الفرنسيين تحمل صوره في مدينة اللاذقية في ١٩٢١ .

في عام ٢٠٠٦ تدخل مجلس مدينة حلب وتشاهد أمامك مباشرة لافتة ٌ كبيرة تقول لك : مجلس مدينة حلب بالتعاون مع ولاية غازي عنتاب ، هذا عداك عن اللوحات الطرقية وجميعها في ذات المربع السكني الراقي الأرستقراطي الحلبي (حيث يقع دار المحافظ وفرع أمن الدولة والقنصلية التركية) تحيطك تلك اللوحات الطرقية علماً ( تركيا جنة الأرض) .

أثناء ذروة المواجهة إثر اختطاف عبدالله أوجلان في خريف ١٩٩٨ أذكر تماماً ما جرى من حوار ونقاش حاد بيني وبين أصدقائي حول خطورة وغطرسة الموقف التركي، كنتُ حينها في الثاني الثانوي فخرج عليّ أحد الأصدقاء (من التركيبة الاجتماعية الأرستقراطية الإقطاعية من إدلب المدينة) مدافعاً شرساً عن حق تركيا وخطأ دمشق في احتضان أوجلان قائلاً لي : “يا ياسر الأتراك قادمون ليعيدوا حق السُنة المسلوب”.

بعدها بسنوات قليلة عرض أحد زملائي في قسم الجغرافية في جامعة حلب أن أرافقه في تهيئة مستلزمات دراسته الميدانية التي يحتاجها مشروع تخرجه الحامل عنوان (مساجد و زوايا حلب القديمة) كوني ابن المدينة ومُطالعٌ نهم للتاريخ. لا يمثل الأمر أية مشكلة أو مفاجأة لكن بعد سنوات من تلك السنين استدركت مباشرة أن زميلي ذلك هو من ذات مكان إبراهيم هنانو (جبل الزاوية) وقد انضم سريعاً إلى إحدى الفصائل المسلحة المدعومة تركياً تاركاً مهمة التعليم والتدريس. استدراكي هنا شديد الخطورة خاصة بعدما شاهدت كيف تم تدمير حلب القديمة ؟!

بعد اشتعال المواجهة سورياً أهلياً انتقلتُ اضطراراً إلى إسطنبول (خيار الضرورة لا الاختيار) تفاجأت بوجود أحد أهم أقطاب النسق الديني الحلبي الرسمي في أحد أرقى مجمعات إسطنبول السكنية الشيخ الدكتور محمد صهيب الشامي مدير أوقاف حلب – ” أولاد الشيخ عبد العزيز الشامي أولادي ” مقولة شهيرة للرئيس حافظ الأسد قالها بعد اغتيال الشيخ محمد في حوادث الثمانيات في حلب .

وصدحت مساجد أضنة بقدوم أحد رموز ذلك النسق الشيخ محمود الحوت قادماً من حلب – الشيخ الحوت عديل الشيخ حسون مفتي الجمهورية – كما تحتضن إسطنبول أحد عائلات النسق الديني الدمشقي العريق (آل الرفاعي) ومشاريعهم الاستثمارية و آل الخزنوي السوريون الجزراوين الأكراد ومشاريعهم الاستثمارية وآل علوش ورحل قبل مدة أحد أشهر علماء التفسير الشيخ محمد علي الصابوني قادماً من المدينة المنورة (إثر انتفاضة محمد بن سلمان) .

علينا أن لا نغفل حجم التأثير الذي تركه شيخ الإسلام أبو الهدى الصيادي الرفاعي مفتي عبد الحميد الثاني في تكوين بنية قوية وعميقة صوفية عائلية على كامل امتداد سوريا الطبيعية وليس سوريا السياسية الحالية .

محطات كثيرة – لا مجال للصدفة فيها  كـ المحال التجارية التي بدأت تنتشر مؤخراً وسط دمشق مستخدمة أسماء تركية . لن أذهب بعيداً وأكتفي بما صدر في يوم واحد من دمشق وأنقرة عن ضرورة احترام القيم الدينية وتجريم شرب الخمر وتجريم سب الذات الإلهية كأن الله بحاجة لحراس وكأن الفقر والجوع والظلم والحرب قد انتهوا .


المقالة تعبر فقط عن فكر ورأي الكاتب

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى