أخبار محليةتقارير وتحقيقات

صانع السيجار ….من طرطوس

خاص وكالة روماف\روسيل

يجلس على طاولة منخفضة، تمتد أمامه أوراق دخان مجفف، ومقص حاد لامع وكأس تحوي سائلاً لزجاً حليبياً، وبمرونة عالية يجمع إحدى الأوراق بعد حشوها بالدخان المفروم الناعم، ويكوّرها بين أصابعه، ثم يضيف إليها قليلاً من السائل اللزج في الكاس، ويتركها تلتصق لتأخذ شكل سيجار مكتمل الأركان.

يقوم كمال بكل ذلك كما لو كان يحلم، ببراعة تامة ينهي “غزل” سيجار خلف آخر، وكلما أنهى أحدها، التفت إلينا وتابع تساؤلاتنا واهتمامنا:

-منذ متى تقوم بهذا العمل؟

منذ ثلاث سنوات.

-وكيف حصل ذلك؟

بالصدفة البحتة في إحدى الليالي احتجت سيجارة ولم أجد، فصنعت سيجاراً من باب التجربة والحاجة وأعجبني لك، ومن ثم صرت أصنعه وأدخنه، وحين شاهده زملائي وجيراني وتذوقوه طلبوا مني أن أصنع منه لهم…. هكذا بدأت وأصبحت الهواية مهنة.

-كم تصنع منه في كل عام وكم يحقق لك من دخل؟

أصنع حوالي 70 ألف سيجار سنوياً، لكن ربحها محدود لا يتجاوز 1.5 -2 مليون ليرة /سنوياً.

كمال مزارع دخان في إحدى قرى طرطوس النائية، أصبح صانع سيجار محترف، ورغم أن هذه المهارة كانت لتكون أساسا لمشروع ضخم في بلد آخر، إلا أن كمال فضّل أن يعمل في الظل وهو يدافع عن وجهة نظره وعن رفضه توسعة مشروعه والانطلاق إلى بناء ورشة يعمل فيها أشخاص وكثر وتنتج عدة مئات آلاف أو ملايين من السيجار بدلاً من السبعين ألف سيجار التي ينتجها حالياً، فيقول “صناعة التبغ محتكرة في سورية لصالح المؤسسة العامة للتبغ (الريجي) وأي محاولة لاقتحام هذه الصناعة تحمل عواقب ومسؤوليات كبيرة وأنا لا أريد أن أكون ضحية لذلك”.

إلا أنه يضيف “حاولتُ فيما مضى إقامة ورشة عائلية، فأشركت زوجتي وابني وأخي في العمل، إلا أنهم جميعاً وجدوا صعوبة في التعامل مع ورق الدخان وفي الاستمرار وبقيتُ وحيداً مجدداً في عملي، ولا أخفي أن ذلك متعب، فاضطر خلال أشهر كثيرة في العام إلى العمل 8 ساعات في اليوم وهو عمل مجهد يتطلب جلوساً مستمراً في وضع واحد ومجهد وفي أحيان كثيرة أعمل بشكل متواصل ليلاً نهاراً لإنجاز الطلبيات”.

ورغم أن صناعة السيجار المحلي لقيت اهتمام إحدى الجمعيات الناشطة في مجال العمل الخيري والتنمية المحلية، والتي عرضت على كمال تطوير عمله إلى مستوى أوسع بحيث يعود بالفائدة عليه وعلى المجتمع المحلي المحيط به، إلا أن كمال وصف ذلك العرض بالقول “بعد فشل ورشتي العائلية أصبحت أقل حماساً لإدخال أشخاص آخرين في هذا العمل ومن ثم تحمل مسؤولية فشلهم لأنه عمل يتطلب مهارة شخصية ببساطة، وليس خبرة تكتسب بالممارسة كما أنه يحتاج نفساً طويلاً جداً”.

كمال لا يبيع سيجاره إلا بشكل محدود لحوالي عشرة أشخاص، يقومون بتوزيعه للمستهلكين، وعن سر نجاحه في صنع سيجار محلي، يكاد ينافس السيجار الأجنبي (إذا ما تجاوزنا مسالة التغليف والتسويق وأسماء الماركات المبهرة والعذارى اللاتي يصنعن السيجار على أفخاذهن في المهرجانات) يقول كمال “المسألة تتعلق بنوعية أوراق الدخان والبيئة التي تنتجها. هناك في بعض القرى في الساحل السوري نبات دخان رائع ومناسب للسيجار، ولا أخفي أنني جرّبتُ أنواع مختلفة من أوراق الدخان، أغلبها لم يكن مناسب لكن قرى قليلة منحتني أوراقاً مرنة ذات نكهة ملائمة”.

أغلب السوريين يعرف السيجار الكوبي وبعضهم تذوق سيجار كاسترو، لكن كم منهم يعرف السيجار السوري؟، رغم أن زراعة التبغ عريقة في سورية وتعود إلى مئات من السنين.

ربما هناك غربة بين السوريين وبين أرضهم وما تنتجه، فهل تكون ظاهرة كمال وسيجاره نوعاً للعودة إلى هذه الأرض وما تختزنه؟

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى