أخبار محليةتقارير وتحقيقات

الحرب التركية مستمرة تارة بالنار وتارة بالماء

خاص وكالة روماف

مشروع الغاب

شهد حوض الفرات تراجعاً مستمراً في مستوى مياه النهر منذ بداية القرن الحالي. نتيجة مشروع تركي ضخم لإنتاج الطاقة الكهربائية باسم “جنوب شرق الأناضول” أو “غاب”، يضم 22 سداً و19 مركزاً لإنتاج الطاقة الكهرومائية، مستغلا مياه نهر دجلة الذي يمر مجراه أيضا في العراق ونهر الفرات، المصدر الرئيسي للمياه في سوريا والعراق.

ويتوضع سد أتاتورك، العمود الفقري للمشروع، على نهر الفرات، ويعد ثاني أكبر سد في الشرق الأوسط، ويتكفل بتراجع حصة السوريين من مياه الفرات إلى مستويات غير مسبوقة وتنذر بالأسوأ إذ تراجعت إلى أقل من ربع الكمية المتفق عليها دولياً.

تبلغ طاقة استيعاب السدود الموجودة على نهري الفرات ودجلة 60 كيلومتراً مكعباً من المياه، ويخطط مشروع “غاب” التركي لاستهلاك ما يصل إلى 22 كيلومتراً مكعباً من المياه سنوياً وهو ما يخفض بشكل كبير حصة سوريا والعراق من مياه النهر.

بنت تركيا مشروعها الخطير هذا بصمت، بينما أثار سد النهضة الأثيوبي ضجيجاً إعلامياً حاداً وتوتراً إقليمياً تصاعد إلى ذروة الحرب بين كل من مصر والسودان وبين أثيوبيا.

اتفاق 1987

ينظم اتفاق موقع عام 1987، حصص تدفق مياه الفرات بين سورية والعراق وتركيا، بحيث لا يقل تدفق النهر في الأراضي السورية عن 500 م3/ثانية والتي تتقاسم بدورها مستوى تدفق مياه مماثل مع العراق.

استمر هذا الاتفاق ساري المفعول إلى سنة 2017، عندما استعادت قوات سورية الديمقراطية السيطرة على شمال شرق سورية في تشرين الثاني 2017 من تنظيم داعش، عندها بدأ الأتراك بسياسة ممنهجة أدت إلى تراجع مستوى تدفق مياه سد تشرين (وهو ثاني أكبر سد على نهر الفرات في الأراضي السورية) من 690 م3/ث في يناير/كانون الثاني إلى 226 م3/ث في ديسمبر/كانون الأول حسب تقارير الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.

إن السياسة التركية في خفض تدفق مياه الفرات وقطعها مستمرة منذ سنوات فـ الاندبندنت العربية وثقت ذلك في تقرير في 4 تموز 2020 فيما وثقته فرانس 24 في 11 آب 2020 بينما وثقته وكالة سبوتنيك الروسية في 9 آذار 2017 ووثقته سكاي-نيوز في 26 تموز 2020، وبالتالي فإن ما يحدث الآن نتيجة تراكم لما حدث خلال سنوات.

سوريون يتحدثون عن الفرات

المهندس سليمان شعبان الذي عمل عشرين عام في الهيئة العامة لسد الفرات حتى عام 2011 أوجز لـ “روماف” رؤيته لما يجري “إن نهر الفرات هو عصب الحياة لسورية إجمالاً وبالأخص لشمال شرق سوريا واعتماداً عليه تتوفر مياه الشرب، والطاقة الكهربائية، وينمو القطاع الزراعي، وقطع تدفق المياه حالياً يمثل إعلان حرب على عدة مستويات “

إداري السدود في شمال وشرق سوريا محمد طربوش تحدث لـ “روماف” عن أبعاد الكارثة التي تتسبب بها السياسات التركية قائلاً “هناك أكثر من خمسة ملايين إنسان على الأقل معرضون لخطر الأمن الغذائي بسبب توقف ري المزروعات في الطبقة والرقة ودير الزور المتوقع مع استمرار انخفاض مناسيب مياه النهر، حيث كانت المياه المخصصة للزراعة تصل إلى 100 م3 أما حالياً فلا تتجاوز 50 م3، في منطقة تعتبر السلة الغذائية لسورية، حيث أن أغلب المحاصيل المزروعة هي القمح، كما أن أكثر من ثلاثة ملايين سوري موزعين بين مدن عين عرب/كوباني ومنبج والرقة ودير الزور والأرياف المنتشرة حول هذه المدن وعلى سرير النهر، يعتمدون على الفرات كمصدر لمياه الشرب”.

طربوش أكد أن النهر لن يجف مهما فعل الأتراك، لكنه حذّر من الكارثة البيئية الناتجة عن المعامل المنتشرة حول النهر في تركيا وعن التجمعات السكنية، والتي ستسبب زيادة النفايات الصناعية والصرف الصحي مع انخفاض الوارد المائي وهو ما ينتج عنه أوبئة كالكوليرا.

طربوش اعتبر أن الضرر الحاصل في مجال الكهرباء يأتي في المرتبة الثالثة من حيث أولويات المخاطر المحتملة، موضحاً أن ثلاث عنفات فقط تعمل في سدي تشرين والفرات من أصل أربعة عشرة عنفة، (ستة عنفات في سد تشرين، وثمانية في سد الفرات).

الناشط الحقوقي المعارض فراس حاج يحيى نشر على صفحته على فيسبوك تحذيراً من خطورة ما تقوم به تركيا بقطعها لمياه النهر، فاندفع بعض الذباب الإلكتروني للتأكيد أن قطع تركيا لمياه النهر مجرد إشاعة، واللافت أنه في ذكرى مجازر الأتراك بحق الأرمن التي مرت منذ أيام اندفع الذباب الإلكتروني للتأكيد أنها كذلك مجرد إشاعة.

وبمناسبة الحديث عن تركيا ومجازرها بحق البشر والحجر في هذه الجغرافية، اعتبر الناشط السياسي عدنان حبيب  “إن قطع مياه الفرات منذ حوالي شهرين يمثل استمراراً لما قام به الأتراك قبل عام، عندما اضرموا النار في محاصيل القمح من خلال قصف حقوله في ريف الحسكة والرقة لقطع أرزاق السوريين والتضييق عليهم باتجاه الهجرة، فهم يستعملون تارة النار وتارة يستعملون الماء، وبمعنى آخر يمثل قطع المياه كذلك استمرار لعمليات الاحتلال التركي المسماة بغصن الزيتون ونبع السلام والتي تسببت في تغيير ديمغرافي وفي تتريك بعض شمال سورية”.

بلدة كديران شرق الرقة

محمد الجميل مزارع من بلدة كديران شرق الرقة بحوالي 10 كم قال لـ “روماف” منذ شهر أصبح انخفاض المياه واضحاً ومؤثراً والمضخات المنصوبة على النهر لم تعد قادرة على سقي الأراضي الزراعية وبالتالي فإن محاصيلنا من الحنطة والذرة ستواجه الجفاف ولا معيّن لنا إلا الرب”.

عثمان الحسين من إحدى المزارع المنتشرة على الفرات في منطقة البوكمال تحدث عن بديل لجا إليه الفلاحون خلال السنوات الفائتة وهو الآبار الارتوازية لكنه أوضح أن هذا الحل لا يستطيعه إلا قلة من المزارعين من ذوي الإمكانات الجيدة ذلك إن تكلفة البئر تتراوح بين 500-800 دولار حسب عمقه.

النفط مقابل الماء

في 9 حزيران 2018 قال مصدر دبلوماسي عراقي لصحيفة اليوم السابع المصرية: إن تركيا تستخدم سد أليسو التركي (وهو السد الأحدث في مشروع “الغاب”، جرى افتتاحه على نهر دجلة في آذار 2018 وحرم العراق من 60% من حقوقه في مياه النهر وفق تقارير إعلامية) كورقة للضغط على الحكومة العراقية لتحقيق أجندتها الخاصة بالعراق، والقائمة على سياسة النفط مقابل المياه للشعب العراقي، وهو ما اعتبره الكاتب العراقي السويسري علاء اللامي، في مقال نشره موقع البديل العراقي، في شباط 2018، “خيانة تاريخية”، رافضاً طروحات بعض الساسة العراقيين القائلة “بمنح كميات من النفط العراقي المجاني أو شبه المجاني إلى تركيا لتسمح بإطلاقات مائية من المياه التي تحتجزها خلف المئات من سدودها!”، مبيناً أن ذلك يعني موافقة صريحة على وجهة النظر التركية، التي مفادها أن الرافدين (دجلة والفرات) نهران تركيان وأن مياههما مياه تركية وهذا مخالف في الصميم لجميع القوانين الدولية.

وأضاف اللامي أن من يرفع هذا الشعار “النفط مقابل المياه” فإنما يطبق مقولة رئيس الوزراء التركي الأسبق سليمان ديميريل الذي قال “إذا كان النفط للعرب فالمياه لتركيا وطالما نحن لا نطالبهم بشيء من نفطهم فعليهم ألا يطالبونا بمياهنا!”. وهي النقطة التي أشار إليها الرئيس المشترك للإدارة الذاتية رياض درار في حديثه مع وكالة “سبوتنيك” حول قطع تركيا لمياه الفرات.

Rumaf – وجه الحق -01-05-2021

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى