سياسةمقالات الكتاب

“أنا امتص الآخر واستوعب هزيمته وغضبه ….. إذاً أنا موجود”

بقلم الكاتب: حسان يونس

شهدت الانتخابات الرئاسية السورية اليوم والتحضيرات السابقة لها في الأيام الماضية ظاهرة خطيرة يمكن اختزالها في مفردات الثأر والتشفي والانتقام والاستفزاز اللامحدود.

بعيداً عن الجدل المثار حول شرعية هذه الانتخابات وقانونيتها والتزامها بمعايير الشفافية والنزاهة والحيادية والتوافق الدولي وسوى ذلك من مستتبعات الحياة السياسية السوية، فإن ما يعنيني فيها هو الظاهرة النفسية الخطيرة والمنذرة بالخطر التي ينطوي عليها التشفي والثأر الكامن في كل مظاهر الاحتفال المفرط والمبالغ فيه، ذلك أن الساحات والشوارع والمنابر الموالية اكتظت بالمحتفلين وبالأصوات الصاخبة وبالمسيرات وبالأعلام والأهم من ذلك بالصور الضخمة.

انتشرت أعداد لا تُحصى من صور الرئيس السوري بشار الأسد في كافة مناطق التجمع والشوارع الرئيسة والمؤسسات الحكومية مزيلة بأسماء المتبرعين بها، أي أنها من تبرع أشخاص مختلفي المشارب يجتمعون في ولائهم للرئيس السوري لاعتبارات مختلفة، لا يهمني الخوض فيها، لكن ما يهمني هي ملاحظة واحدة تكررت على السنة عديدة بشكل خافت، تتلخص في تحويل الأموال التي أنفقت على تلك الصور إلى مساعدة المحتاجين، الفقراء، مصابي الحرب…..

كم كان الأمر رائعاً لو جرى إنفاق تلك الأموال على الفئات الأكثر حاجة من باب التعبير عن الولاء للرئيس السوري، وكم كان ذلك كفيلاً برسم صورة أكثر حضارية وأخلاقية للعملية الجارية برمتها، عدا عن أن احتلال الشوارع والساحات العامة وتحويلها إلى ساحات للرقص والموسيقا الصاخبة من قِبل من هم “مفرطي الولاء” هو انتهاك فاضح ومهين لحقوق بقية السوريين فالمكان العام والملك العام هو للجميع وليس فئة محددة وهذا هو حجر الزاوية في بناء أي دولة.

واذا ما تجاوزنا مسالة الأموال والساحات وحقيقة النصر، فإن مسألة “الاحتفال المفرط والهيستيري بالنصر” هي ظاهرة مرضية لا تنطوي على أي حكمة ففي أي صراع هناك طرف ما سيتقدم نسبياً ومرحلياً على الطرف الآخر، لكن الصراع مفتوح ومآلاته مفتوحة أيضاً، لذا فإن هذا “الاحتفال المرضي بالنصر” هو ترسيخ للصراع ونفخ للجمر تحت وفوق الرماد، وهو دعوة حمقاء إلى استجماع ما يمكن استجماعه من أجل جولات صراع جديدة .

شهد العالم أعداد لا تُحصى من الحروب الأهلية وإذا ما درسنا بعضها في لبنان (1975-1990) أو العراق ما بعد 2003 أو راواندا (1990-1993) أو الولايات المتحدة (1861-1865) نجد أن التجربة الأمريكية كانت الأكثر حكمة في امتصاص سموم الصراع الأهلي وتحويلها إلى ترياق، من خلال استيعاب الطرف الآخر المهزوم واحتضانه وإشراكه في اللعبة، وهو ما يسير باتجاهه الراوانديون.

أما التجارب القريبة في لبنان والعراق فإنها للأسف سارت باتجاه إذلال الطرف المهزوم ومعاقبته وتجريمه بشكل مستدام وهو ما انتج حالة ثأرية مضادة تطورت إلى تنظيم داعش سيء الذكر في العراق، وعلى مستوى أوسع من الحروب الأهلية، فإن الصراع الدولي في الحرب العالمية الأولى انتج اتفاق فرساي 1920 الذي تضمن تشفياً وانتقاماً وإذلالاً للألمان وحلفائهم ما افقد هذا النظام استقراره سريعاً فدخل العالم خلال عقدين في الحرب العالمية الثانية 1941، وحينها ادركت النخبة الحاكمة خطأها فكانت القوة الاقتصادية لكل من ألمانيا واليابان من مرتكزات النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية كنوع من التعويض والاستيعاب لكلا القوتين الكبريين.

واذا ما أسقطنا كل تلك الخلاصات على المشهد السوري فان المطلوب في انتظار حل سياسي شامل للازمة السورية المركبة أن يترفع السوريون، أقله الحكومة السورية باعتبارها الطرف الأقوى حالياً، عن سلوكيات الاستفزاز والممارسات الثأرية التي رأيناها اليوم تنضح في عموم المشهد الانتخابي السوري وقرأناها تنضح صراحة من كلمات المدون المعروف على نطاق واسع “نارام سرجون” في مقالته اليوم، المعنونة “نكاية بالكون كله .. أنا أتحدى إذاً أنا موجود“، كان الأحرى بنارام سرجون أن يكتب “أنا أمتص الآخر واستوعب هزيمته وغضبه ….. إذاً أنا موجود”.


المقالة تعبر فقط عن رأي وفكر الكاتب

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى