أخبار محليةتقارير وتحقيقات

تنانير وخبز معجون بالأمومة والمعاناة

خاص وكالة روماف\روسيل

في الطريق الذاهب إلى مصياف من طرطوس مروراً بمنطقة الشيخ بدر يمكن ملاحظة مجموعة تنانير تنتشر على طول الطريق، وتقدّم للعابرين فرصة تذوق الأرغفة والشطائر والفطائر والخبز المغمس بالزيت والمخبوز يدوياً وفق الطريقة التقليدية باستعمال الحطب.

لا يتوفر وصف للصورة.

“وضاح” يدير تنوراً قرب منطقة الشيخ بدر، يتميز بشعبية خاصة، وغالباً ما يكون الرصيف أمامه مزدحماً بالزبائن الذين تستوقفهم روائح تلاقح الخبز والنار والحطب والجوف الترابي للتنور.

يقول وضاح لـ روماف “يعمل في هذا التنور أربع نساء وكل منهن لديها عائلة، وتؤمن دخلاً شهرياً يتراوح بين 120- 150 ألف ل.س فيما يتبقى لي دخل شهري يتراوح 200-250 ألف ل.س”

ويضيف وضاح “نعاني في تأمين حاجتنا من الغاز ومن الحطب، فنحن نستعمل الصاج الذي ينضج على حرارة الغاز كما نستعمل التنور الترابي الذي ينضج على حرارة الحطب، وكلاهما الغاز والحطب أصبح غالياً وصعب المنال، وبالنسبة لمهنة تستهلك كميات منتظمة من الحطب والغاز، نحن مضطرون لشرائها بالأسعار الرائجة فالحطب تجاوز 150 ألف/طن والغاز تجاوزت أسطوانته الـ 30 ألف ل.س ومخصصات الغاز التي تقدمها لنا سادكوب بأسعار مدعومة لا تكفي أسبوعاً رغم أنني تقدمت بعدة كتب إلى السيد المحافظ للمطالبة بزيادة مخصصاتنا دون جدوى”.

يبيع وضاح شطائره على اختلافها (زعتر وقريشة ومحمرة وجبنة وسلق) بأسعار تتراوح بين 400-500 ل.س فيما يصل سعر خبز التنور المغمس بالزيت إلى 300 ل.س وهو يشتكي من ارتفاع أسعار كل شيء خاصة مشتقات الحليب والزيت ويقول “كلما حاولنا التوقف عن رفع أسعار ما نخبزه نجد أنفسنا مضطرين تحت ضغط ارتفاع أسعار كل شيء”.

على أوتوستراد اللاذقية طرطوس

وقبل مدخل طرطوس بحوالي 5 كم، تجلس “أم رمضان” تحت أشجار الكينا، تمسح قطرات العرق عن جبينها إلى جوار “براكية” تم بناؤها مما تيسر من بقايا أخشاب وألواح توتياء، وإلى جوارها تنور حجري ترابي مظلل بألواح جرى تجميعها من بقايا خشبية ومعدنية، تقول أم رمضان “أنا أم وأب لعائلتي، فزوجي مقعد وولداي أحدهما في الجيش، كان يخدم إلزامياً والآن أصبح احتياطياً، والآخر يظل إلى جوار والده الذي يحتاج إلى عناية دائمة”.

لا يتوفر وصف للصورة.

أنشأت أم رمضان نتيجة ضيق الحال وانسداد آفاق الحياة تنورها بمحاذاة الطريق الدولي دون ترخيص ومن البقايا ومما أمكن تجميعه، للاستفادة من الحركة المقبولة على هذا الطريق، وهي تتعرّض أحياناً لمضايقات من قبل بعض الموظفين المعنيين بحماية حرم الطرق من التعديات، والذين يتراجعون أمام خصوصية حالها.

تقول أم رمضان “دخلي اليومي يصل إلى 20 ألف ل.س وإذا طرحت منها النفقات التي تبلغ 14 ألف ل.س فإن ربحي اليومي هو 6 آلاف ل.س، وهو مبلغ يكفي حاجات عائلتي وأقدّم جزءاً منه لابني العسكري وأتصدق يومياً ببعض الفطائر من أجل أن يحميه الرب”.

“بلال” وهو زبون دائم لدى هذا التنور حسب قوله، قال لنا أنه يقطع 10 كم كي يصل إلى هنا عندما يريد تناول الفطائر، وغالباً ما يأتي برفقة أصدقائه لأنها “فطائر معجونة بالأمومة وبالمعاناة”، على حد قوله، ويضيف “أشعر بالرضا عندما أقف تحت أشجار الكينا وأتناول وجبتي أكثر كثيراً مما أشعر به عندما أدخل مضطراً إلى المطاعم المتوسطة أو الفاخرة في طرطوس، لأن هناك جانباً من المسؤولية تجاه أم تعيل أسرتها”.

حتى ثلاثة عقود ماضية كانت أغلب القرى في الساحل السوري تعتمد على التنور في تأمين خبزها، وخلال السنوات الفائتة عادت المرأة التي تعجن وتخبز وتنورها ليحتلا واجهة الطرقات المهمة، واليوم هناك في طرطوس المئات من هذه التنانير التي تعمل سواء بالغاز أو الحطب، وتقدّم فرص عمل بديلة للسوريات اللاتي خرجن خلال سنوات الحرب الأخيرة لملء الفراغ الذي سببه انهماك الرجال في الجبهات، ولإعالة أسرهن، وتقديم مسار مختلف عن مسار الحرب، مسار معجون بالأمومة والمعاناة.


Rumaf – وجه الحق -02-06-2021

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى