مقالات الكتاب

الدكتور نزار عبد الله ….. في سطور

بقلم الكاتب السوري حسان يونس

عند عودته من ألمانيا 1974 بعدما نال شهادة الدكتوراه في الاقتصاد لم يكن الدكتور نزار يحمل فكرة واضحة عما ينتظره وعن الدور الذي سيلعبه.

بدأ حياته المهنية بالعمل في مجال إعداد الدراسات الاقتصادية، وافتتح مكتباً في دمشق لأجل ذلك ولم يلتحق للعمل في أي من الجامعات السورية كما هو مفترض في أي حامل شهادة دكتوراه خلال حقبة السبعينات، حين كان حملة الدكتوراه في كل سورية قلة قليلة جداً، وكانت أخر أعماله البحثية العمل ضمن فريق الدكتور عصام الزعيم عندما تقلد منصب النائب الاقتصادي.

أراد نزار عبد الله إحياء تجربة فرق المسير التي عاشها في ألمانيا الديمقراطية، حيث تجول مع أصدقائه في الريف الألماني الجميل قاطعاً عشرات الكيلومترات في المسير الواحد، حاملاً جعبته على ظهره في نوع من التجربة الصوفية التي تتماهى مع الطبيعة ومع الحياة الريفية ومع المجتمع الريفي في أعمق وأبسط ظهوراته.

في العام 1979 بدأ يمارس المسير في دمشق وفي محيطها وفي الغوطة برفقة مجموعة صغيرة من الأصدقاء، لا تتجاوز أصابع اليد، لكن الانطلاقة الفعلية لأول فريق مسير في سورية كانت في العام 1980 حين تضخم العدد وأصبح يتجاوز المئة مشارك في المسير الواحد حينها أصبح لهذا الفريق قواعد صارمة تنطلق من فكرة الكشاف والتماهي مع الطبيعة.

يقول خالد عبدالله وهو ممن أمضى فترة طويلة مع الدكتور نزار وكان معاوناً له في إدارة الفريق “كان الدكتور نزار صاحب مشروع، كان حازماً بعدل، يريد من كافة أعضاء الفريق التشارك في لحظة الفرح والمعاناة وفي لقمة الطعام، ولذلك كان يفرض على الجميع المشاركة في تحضير طعام جماعي شعبي مما هو شائع في بلادنا، كما كان يفرض على الجميع المشاركة في حمل معدات المسير كأوعية الطعام والخيم، وكان يقدّس الغناء والرقص، ولذا كنا نقيم في نهاية كل يوم مسير وبعد أن نقطع عشرات الكيلومترات حفلة سمر جماعية، وفي جانب آخر كان يرفض كل ما هو مصطنع وتقني، فحفلات السمر كانت تقام مما تيسّر، هناك من يعزف على العود والإيقاع وهناك من يغني وهناك من يجيد الرقص ومن يشارك فيه، بعيداً عن أي أجهزة صوت أو تسجيل أو ما شابه، كان يفترض الدكتور أن تكون حياتنا الكشفية طبيعية تماماً، حتى أن الدكتور تزوج في نهاية مسير قاسي وشاق اسمه مسير قاهر الجبال، أقمناه في الجبال الساحلية في شمال اللاذقية وفي نهاية المسير أقمنا احتفالاً كشفياً بزواج مؤسس فريقنا في شاليه استأجرناه لهذا الغرض”.

يضيف عدنان سنقر وهو مسؤول إعلامي في الفريق “القواعد الصارمة التي فرضها الدكتور فيما يخص الحياة الطبيعية وجد البعض صعوبة في تقبّلها، لذا قام الفريق بعمليات تصفية متكررة خلال سنوات من نشاطه، كان الفريق ينتمي إلى كل الجغرافيا السورية وكل الأطياف الأثنية والدينية والاجتماعية وكان يمتنع فيه الحديث السياسي والديني وإن كان يزخر بالنقاشات الفكرية الواسعة والمعمقة والتي غيرت في مسار كثير من أعضاء الفريق”.

مغنية الفريق، دلال حمود،

من جهتها قدمت مغنية الفريق، دلال حمود، شهادتها وقالت “في عام 2001 كنا نشارك في مسير يديرها الدكتور كل أسبوعين بمبلغ 100 ل.س طيلة يوم مسير يتضمن وجبات غداء وفطور وفي عام 2005 ونتيجة التضخم أصبح المبلغ 125 ل.س وحين اقترح بعض أعضاء الفريق رفع المبلغ إلى 150  ل.س رفض الدكتور ذلك قائلاً أن مبلغ 25 ل.س يمكن أن يكون هاماً لدى بعض العائلات، كانت تكاليف المخيمات لمدة ثلاثة أيام مع آجار القطار أو الباصات 500 ل.س، كان الدكتور نزار حريصاً على أن تكون تكاليف المخيمات والمسير في أدنى حد بعيداً عن أي ربحية من أجل تعميم المشاركة ونشر هذه الثقافة، وهو في ذلك كان يحمل فكراً ماركسياً يمارسه في تفاصيل حياته وفي إدارته للفريق، دون أن ينظّر به على الآخرين، فكان يعلّمنا الاشتراك فيما هو متوفر ويحضنا على توزيع الموارد، كنا نسير في الدروب بين القرى وفي داخل القرى ونلقي التحية على الأهالي، وعندما يسألوننا من أنتم، كان جوابنا الدائم (نحن سوريون نريد أن نستكشف بلادنا ونتعرف عليها ونحبها)، هذه رسالته الأولى والأخيرة “

حول هذه النقطة أضاف خالد عبد الله “ينتمي الدكتور نزار إلى عائلة إقطاعية متنفذة وأخته المرحومة سعاد عبدالله كانت رئيسة للاتحاد النسائي العام وسفيراً لاحقاً في إيطاليا، لكن الدكتور نزار كان مختلفاً أراد أن يمارس الاشتراكية في حياته الشخصية، وفي تعامله، كان يوزّع ما يصل إليه من هدايا قيّمة على زملائه في الفريق، ولا يأكل حتى يتأكد من أن الجميع نال حصته من الطعام الجماعي الذي نطبخه، ولا ينام حتى يتأكد من أن الجميع وجد مكاناً مناسباً لوضع أغطيته وكيس نومه، رحمه الله كان الفريق الذي أسّسه هو الفريق الأول من نوعه في سورية وما أعرفه أن فرق عدة انبثقت من رحم هذا الفريق لكن مع إضافات كان يرفضها الدكتور نزار كالربحية وجعل فكرة التماهي مع الطبيعة في أخر الاهتمامات وفي أحسن الأحوال جعلها شعار فقط”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى