مقالات الكتاب

بقلم الكاتب ياسر شعباني: ضبط المشهد وأنا الجغرافي

انتهت وتوقفت الحملات الدعائية والإعلانية وتحليلات ما بعد التثبيت وبدأت منتديات وأقلام النقد والسخرية والتشكيك في وجوب من عدم وجوب وضرورة الاستمرار والغاية منه حد تجاوز اللامفهوم واللامعقول وهو الفضاء الذي تواجد فيه الـ مع ُ و الضد وكأنهم ونحن وهم كائنات ما وراء النفس والأرض.

في محاولة لفهم هل يمكن لساكن ما وراء جغرافيا التي أنتمي لها أن يتفاعل ويتداخل ويتدخل فيها؟

الإجابة: نعم .

أي مجموعة يفرزها المجتمع لتتسلم وظيفة إدارته تكون تلك المجموعة صاحبة مهام محددة حتى لو انتهى المآل بها إلى الانهيار وهذه المجموعة تصعد مخاضات الخروج والصعود لتبدأ تنفيذ وتطبيق ما عملت على تعلُمه والتدرب عليه والتدرج من خلاله، هذه المجموعة تبقى قدرتها على التأقلم مثار تساؤل؟ هل ستستمر وتبقى إن كان عبر نقل الملفات إلى ‘صورة أخرى’ لكنها تحمل ذات المهام (واهمٌ من يعتقد أن تركيا أردوغان تختلف عن تركيا أتاتورك – يعبر مؤسس الإسلام السياسي التركي الراحل المهندس المتخرج من مصانع مرسيدس الألمانية عن مدى حزنه لأن الأسد الأب لم يسلمه عبدالله أوجلان – اقرأ رواية فاروق الشرع في كتابه الرواية المفقودة ) . أو تبقى ذات المجموعة و تعيد إنتاج نفسها لما تقتضيه الضرورة (سوريا و مصر مثالاً) .

توافق المساحات والمصالح خاصة في  ‘الجغرافيا الشابكة’ أو  Functional Geography  الوظيفية – لا يستطيع الجميع إدراكه أو استيعابه إلا حين تكون الجماعات البشرية أمام مشروع ناهض أو حرب قادمة .

أكثر أمثلة هذه الجغرافيا وضوحاً هي مكانين: آسيا الصغرى (تركيا) وسورية الطبيعية.

قبل يوم ٍ واحد كان رئيس وزراء العراق السابق إياد علاوي (الشيعي المدعوم سعودياً ولبناني الأم) في ضيافة رفيق الحريري (السني المدعوم سعودياً) اغتيل رفيق و’ بكل فجأة’ خرجت مجموعات لا معروفة إلى شوارع بيروت “هيه ويالله سوريا اطلعي برا ” مرددة.

وضع الطبيب تحت حصار إقليمي خانق (يقوده – استخدم صيغة المضارع لغاية في نفسي ) السعوديون والفرنسيون والمصريون . فتح الأتراك والقطريون أبوابهم له وأبرموا معه اتفاقيات كان أجملها (بيان حلب) من داخل مربع المدينة الحكومي الأمني ‘قصر الضيافة’ حينها شرع الحلبيون فرحاً وبهجة بقدوم ‘الشقيق التركي’ الشمالي وجيوبه المليئة بالتجارة و’المياه’ .

بعدها بسنوات معدودة ٢٠٠٨ وصل أردوغان لـ تبليسي عاصمة جورجيا ووصل الأسد الابن لـ موسكو عاصمة روسيا، بعد ساعات من اندلاع الحرب بين الجارين الشقيقين (روسيا وجورجيا)  بكل وضوح أعلن أردوغان أطلسيته والأسد الابن آسيويته.

وهي سنوات قليلة جداً أخر وعلى بُعد كيلو مترات قليلة جداً من غازي عنتاب أعلن أردوغان عن: حلمه في الصلاة في أموي دمشق ، الرجل قبل أشهر من ذلك كان مع عقيلته (العربية من سرت في جنوب الأناضول الفراتي على بُعد كيلومترات من القامشلي) السيدة أمينة أردوغان في دمشق يدشن مشروع ترميم التكية السليمانية (حينها اتهمني  بعض من إخواني الدمشقيين بالغيرة كوني شمالي حلبي كما اتهمني بعض من الحلبيين بميول ( مهدوية ) .

قبل إعلانه رئيساً أبيضاً أنغلو – ساكسونياً معمدانياً يمين ليبرالي محافظ أنجيلياً رأسمالي – كان السيد دونالد ترامب يروج لنقاط مُحددة سيعمل على تطبيقها دون مجال لإعادة النظر حولها أو تغييرها وهي :

-بناء جدار عازل مع طول الحدود مع المكسيك.

– وقف المساعدات الأمريكية للحلفاء عدا إسرائيل.

– خفض الإنفاق الحكومي.

-القدس عاصمة إسرائيل .

– منع وإيقاف الهجرة لأمريكا البيضاء.

في كل هذه النقاط ستجد المال والتكنولوجيا والكهنة وراء برنامجه .

منذ زمن ليس بقليل تعمل الصين على تفتيت كتلة بشرية تقع في غرب البلاد لا أعتقد أن الهدف من ذلك لأنهم مسلمين لأن الوجود الإسلامي في الصين قديم وعريق وكبير لكن لأن تلك الكتلة هي ‘تركية’ وتقع في مسار (الحزام و الطريق) مشروع الصين العولمي الذي يترافق معه نهوض الجيل الخامس وهذه المرة هو صيني ليس أمريكي أو أوروبي وهو الجيل الذي هضم التكنولوجيا المتوطنة في بلاده فهو الجيل الخامس في قطاعات التقنية والاتصالات وربما الفيروسات وأهم المهنئين للطبيب كان الرئيس الصيني .

عين البلد التي لجأ إليها أحد أكبر الوجود الإيغوري تركيا هي ذاته بدأت بتوطين التكنولوجيا الصينية وأبرز تلك الصفقات القطار السريع و شركة xaomi تشاومي رائدة صناعة تقنيات الهواتف الذكية وتوابعها في عالم الصوت والاتصالات .

بالعودة إلى أوضح الأمثلة عن الانفتاح الجغرافي وتوسطه وهما آسيا الصغرى وسوريا الطبيعية ومن الوهم الاعتقاد أن التجاور و التداخل بينهما لا يخلق عداء أو تنافساً أو توتراً أو نفورا بل ويخلق حقداً لن ينتهي. لـندع عنا خرافات أخوة الدين والجوار والفرات ولنكن واضحين هناك من الشمال دخل الحثيون والبيزنطيون والعثمانيون والحديث سيكون عن آخر الشماليين دخولاً وهم العثمانيون .

رغبة منه في تطوير الدولة وآلياتها حاول عبد الحميد الثاني أن ينفتح وبقوة على أركان مجتمعه العرب والكرد فعمل على حصار الأرمن واستعان بالألمان أعداء ومنافسو الروس والفرنسيون والبريطانيون استعان بهم مالاً وصناعة وعسكريين ومع انفتاحه على العرب والكرد دخل في مشاريع زراعية تستهدف رفع إنتاج قمح الجزيرة السورية وعمل على مد خط سكك الحديد من إسطنبول لـ بغداد ودمشق والمدينة ويكون برنامج عبد الحميد استعان بالمال والكهنة والتقنية والعسكر. ومن مفارقات القدر أن خط الحديد هذا اعتمد ليكون حدوداً بين الجمهورية السورية الوليدة والتركية كذلك كما أن ما وراء هذا الخط يقبع حلم أتاتورك الذي يعمل على تنفيذه أردوغان.

لست من الذين يعطون لما يُسمى بالأخوة الدينية مدى ً تقوم على أساسه المعرفة وأؤمن بأن هذا الجوار والتداخل مع الشمالي هو حرب طاحنة ربما عن قصد أو بدونه تحركت واقتُلعت كتل بشرية نحو جميع الاتجاهات وتاريخياً احتضنت آسيا الصغرى مجموعات بشرية مُقتلعة من القوقاز وشرق أوروبا وجنوب الفرات الأناضولي ومن أهم الأمثلة سفن وقوارب الشركس والشيشان المُقتلعين من جبالهم التي انتقلت من ضفة البحر الأسود القوقازية نحو ضفته العثمانية نتيجة اتفاقية روسية قيصرية عثمانية تركية كما يذكر التاريخ بيع ملك صربيا في العشرينات لرعاياه الألبان لأتاتورك مقابل مبلغ مالي يتلقاه أتاتورك في مقابل احتضانه لهم عنده.

منهج قيادة الحياة البشرية في سوريا حالياً يقوم على ثالوث التجويع والتفقير والشعبوية إما ابتزازاً لطرف ما أو استعداداً لشيء ما وفي كلا الحالتين نحن أمام عداء ومنافسة مع الشمال تاريخياً ولن يكون هناك حسن جوار دون تحديد صيغة تعايش معه إذا أنه دائماً ما يفرضها عليّ كـ سوري ذلك الوحش الشمالي.


الكاتب السوري ياسر شعباني

المقالة تعبر فقط عن فكر ورأي الكاتب

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى